الماكرونية : حطت من صورة فرنسا الأنوار ، أزمت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وأنزلت الدبلوماسية الفرنسية إلى الحضيض .


عبد المجيد بوشنفى

 

غالبا ما يطرح سؤال كبير حول طبيعة العلاقة بين فرنسا وإفريقيا؟ ما السر الذي يجعل فرنسا  تستصغر وتحتقر وتتعالى على إفريقيا مع العلم أن رفاهيتها تنبني على استغلال ثرواتها؟ هل كانت فرنسا (برمزية الاستعمار الجديد  ) تعتقد يوما ما أن اللعبة الدولية ستتغير؟

لم يكن الاستعمار الجديد( خاصة فرنسا) يعتقد يوما ما،  أن إفريقيا ستنتفض، وستطالب الأجيال الصاعدة بالاستقلال واسترجاع سيادتها على ثرواتها الطبيعية، المعدنية والطاقية.

إن إرادة الاستقلال (المحيط) عن المركز (الغرب) ليست وليدة اليوم، بل لها  تاريخ، وكلنا نعرف أن الحركات اليسارية  الى حدود البيريسترويكا وبروز علامات نظام عالمي جديد، كانت تناهض الامبريالية الغربية منبهة إلى الاستغلال الذي تتعرض له ثروات دول الجنوب الطبيعية المعدنية والطاقية ، ومؤكدة على أن رفاهية الغرب مستمدة من تفقير تلك الدول في تواطؤ تام مع أنظمتها الحاكمة .

اليوم مع صعود نخب سياسية  افريقية جديدة، لها إرادة الاستقلال عن الاستعمار الجديد، تحمل مشروعا مجتمعيا أساسه : أن نهضة إفريقيا وتطورها لن يتحقق إلا باسترجاع سيادتها على ثرواتها الطبيعة، المعدنية والطاقية ، وباعتمادها على  نفسها و قدراتها الذاتية ،وانفتاحها على علاقات خارجية مبنية على الندية والاحترام المتبادل.

الغريب أن فرنسا بعجرفة رئيسها ، ونخبها  الماكرونية الحاكمة ، واناها المتضخمة، لم / ولا تريد أن تدرك التحول المجتمعي الإفريقي، لتستمر في تعنتها، ونهج سياسة فرض أمر الواقع بدعم أنظمة حاكمة – حتى وان كانت دكتاتورية- تخدم مصالحها الاقتصادية والجيو- إستراتيجية، ضاربة عرض الحائط تطلعات الشعوب الإفريقية نحو الحرية والعيش الكريم.

فالأجيال الإفريقية الصاعدة السياسية، المدنية والعسكرية ضاقت ذرعا من  الاستعمار الجديد ( الهيمنة الفرنسية) ، بحيث ترى أن إفريقيا تنعم بالخيرات تحت الأرض وفوقها في حين تعاني الشعوب الإفريقية من  التخلف والهشاشة والمجاعة أما خيراتها ونعمها وثرواتها فتذهب إلى الغرب ليمتع بها  شعوبه ويوفر له الرفاهية على حساب بؤسها و تفقيرها.

اليوم، تنتفض أفريقيا في وجه الاستعمار الجديد (فرنسا) وضد نخبه السياسية الحاكمة المتواطئة معه،  مطالبة إياه بالخروج من إفريقيا ( مالي- بوركينا فاسو- النيجر….).وهذا ما لاحظه العالم في كلمات رؤساء الدول الإفريقية  في الدورة 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة التي فضحت الاستغلال المفرط  لثرواتهم  من طرف الغرب في حين تعاني شعوبها من الفقر والمجاعة، مؤكدة انه حان الوقت لتستعيد إفريقيا  ثرواتها وتعتمد على نفسها.

الماكرونية وشمال إفريقيا

إذا كانت “الماكرونية”  الفرنسية رأت من خلال تمركزها على ذاتها، أن اللعب بورقة كافية لفرض سياسة فرنسا في شمال إفريقيا،  نسيت أن تونس تاريخ ، وليبيا ذاكرة وحاضر، و أن المغرب  إمبراطورية وحضارة عريقة عمرها ما يفوق  14 القرن،  لها خصوصيتها التاريخية والثقافية، هوية ( عربية إسلامية ،امازيغية، يهودية ، افريقية..) متجذرة في التاريخ ، منفتحة على الغير مع محافظتها على طابعها الحضاري والثقافي.

إن ماكرون ومعه الغرب لم يدركا أن الربيع العربي غير الرؤى و أنماط التفكير العربي، فجعل الشعوب تدرك أن الغرب لايهمه أن تكون المجتمعات العربية والإفريقية ديمقراطية تحافظ على حقوق الإنسان وتوفر الحريات ، بل  كل ما يهمه، لهثه وراء  ثروات تلك المجتمعات  مع تحويلها إلى أسواق مستهلكة لمنتجاتها، ومن مصلحته أن تبقى متخلفة .

الماكرونية الفرنسية والمغرب / زلزال الحوز/

تواصل فرنسا عبر وسائل مختلفة معاكسة المغرب ومحاولة الضغط عليه عبر توظيف فاجعة “زلزال الحوز”، واستثمار رفض الرباط مقترح باريس لتقديم مساعدات في الأزمة، إذ اعتبر الكثير من المراقبين أن باريس سقطت في محاولة مكشوفة لاستثمار كارثة طبيعية لتحقيق “مآرب سياسية ضيقة”.

ما أثار الاستغراب هو “الجذبة” التي تعيشها فرنسا بسبب استثنائها من الدول التي وافق المغرب على طلباتها تقديم المساعدة في الكارثة الطبيعية، رغم أنها ليست الوحيدة، إذ تلقت الرباط الكثير من طلبات تقديم الدعم والمساعدة التي قدرت أنها ليست في حاجة إليها.

لقد رأينا كيف أن الإعلام الفرنسي عوض الأخذ بعين الاعتبار الظروف المأساوية والآلام التي يعيشها المغاربة جراء زلزال الحوز وما خلفه من ضحايا في الأرواح وخسائر مادية كبيرة ، بدا ينفث سمومه وخبثه محاولا نشر الرعب بتزييف الحقائق وقيام بعض من قنواته  بتغطيات غير مهنية، دفعت النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى إصدار بلاغ  تنتقد فيه “تنامي مجموعة من الممارسات غير المهنية واللاأخلاقية التي تستغل الحادث المأساوي لزلزال الحوز لتمرير مغالطات ومحاولات تسييس لحظة حزن يعيشها الشعب المغربي”، مسجلة أنها “تتابع ذلك بقلق كبير”.

ومن السقطات الدبلوماسية الكبيرة لماكرون  هو توجيه خطاب مباشر إلى الشعب المغربي ، متناسيا أن المملكة المغربية، مملكة عريقة،  لها مؤسساتها وسيادتها .

ولاحظ الفرنسيون  كيف رد المغاربة على وقاحة ماكرون ، بتعلقهم بملكهم ، كاشفين للغرب التلاحم  القائم  والدائم بين الملك وشعبه،  وان هذا التلاحم والحب  والتفاعل بين الملك والشعب  متجذر في التاريخ يعكس قيم الوفاء المغربية المستدامة الغير الموجودة في الثقافة الفرنسية.

خبث الماكرونية الغربية ، جعله يلجا من جديد إلى سياسة الابتزاز واللعب بأوراق لإخضاع المغرب، بحيث شاهدنا في قنوات التواصل الاجتماعي كيف ان أيادي استخباراتية فرنسية  وجزائرية تحرك”ريفيون” بأوربا خاصة ببلجيكا وهولاندا.

وكل متتبعي للعلاقات الفرنسية المغربية ، يرون أن اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء قادم وعلى الأبواب مع زوال الفترة الماكرونية التي بصمت المشهد السياسي الفرنسي بمراهقة سياسية لم تشهدها فرنسا من قبل،حيث حطت من صورة فرنسا الأنوار، وأزمت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية لدرجة أن 54 في المائة من الطلبة الفرنسيين  لا يجدون اليوم  ما يقتاتون به، وأنزلت الدبلوماسية الفرنسية إلى الحضيض ، وبمنظورها اللائكي تسعى إلى تقسيم فرنسا إلى أثنيات عقائدية ثقافية  قد تدخلها في صراعات عقيمة.

وللإشارة، فان المغرب لا يشعر بأي حقد أو كراهية اتجاه الشعب الفرنسي ، بل كل ما يرفضه هو السياسة الفرنسية خاصة الماكرونية و آلتها  الاعلامية.

 

 

 

 

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى،مدير ورئيس تحرير جريدة" البيئة "الورقية، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة، و على جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة، ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *