أضواء على الدور التربوي للحدائق المدرسية.

 

 

 

بقلم حميد موقدمين:

الأستاذ والفنان التشكيلي و رئيس نادي البيئة و الفنون  بثانوية المسيرة الإعدادية تيسة – مديرية تاونات – أكاديمية جهة فاس مكناس  – المغرب.

إذا كان جمال المدينة يقاس بما لديها من معالم عمرانية، فانه أيضا يقاس بما لديها من حدائق، ذلك أن اجمل المدن تلك التي تستقبلك بإبداعات بستانييها، ولطالما عرفت مدن وحواضر واشتهرت من خلال حدائقها الخالدة التي ترصع مطارح ساحاتها ومدارسها ومعاهدها. ونظرا للأهمية البالغة لفن البستنة انصبت عليه الدارسات قديما وحديثا، وعنى الباحثون به لتحقيقه وشرحه وجمعه والإحاطة به وسبر أغواره، حيث اهتمت اغلب الحضارات الإنسانية بهذا الفن وأفرزت تجارب ذات نماذج مميزة كانت ولازالت بمثابة نبراس ينير لنا طريق البحث في مجال الحدائق المدرسية لإثراء الأفكار ومداعبة الآراء في أفق تطوير التوعية الفنية والجمالية بخصوص هذا الحقل التربوي المهم.

لا جدال في أن الحدائق المدرسية  تلعب دورا رياديا في تربية التلاميذ وتوجيههم في ممارسة السلوك المقبول من خلال ممارسة أعمال البستنة التي تعد من الأنشطة المفيدة لإيجاد البيئة الملائمة والداعمة للعملية التربوية، كما تزودهم بالمعارف والمهارات التي تمكنهم من التعامل بإيجابية مع متطلبات الحياة وتعقيداتها وتجنبهم السقوط في كثير من الأمراض السيكولوجية والاجتماعية وتجعل نفسيتهم تقترن بالحنين إلى روحانية الطبيعة باعتبارها الام الكبرى، حيث يجدون فيها وقودا لخيالهم وعاطفتهم في جو رفيع البهجة والمتعة والاطمئنان النفسي ويتأثرون بها بقوة، حيث تعطيهم مساحة للتأمل والصفاء من خلال الانطلاق وسط الإزهار والورود واستلهام الوحي من الأشجار والنباتات في صورتها الطبيعية الأصيلة بعيدا عن الصيغ المصطنعة.

وإذا كان علماء النفس والتربية يؤكدون على أن الحدائق المدرسية تعد من أهم البرامج التربوية التي تزيد من كسب حب وإقبال التلميذ على المؤسسات التعليمية وتدخل البهجة إلى نفسه، فانهم أيضا يجمعون على أن أعمال البستنة تساعد على تهيئة المناخ المناسب للطفل للدراسة والتحصيل، وتتيح الفرصة له للتعبير عن الشغف وحب الاستطلاع واستكشاف عالم المعرفة لما تحمله هذه الحدائق من إمكانات ووسائل ولما تقدمه من غنى وعمق تربوي، حيث يستفيد من هذه التجربة وينهل منها ليزيد من نموه الجسمي والعقلي واكتماله النفسي ويطور فكره وإحساسه. وتكمن الفوائد أيضا من أعمال البستنة في كونها تفتح مجالات عديدة لإشباع نشاط التلاميذ في أمر مفيد يستنفذ طاقاتهم الحيوية في أشياء مقبولة سلوكيا ومفيدة للجميع، وتهيئ شروط تنمية قدرات التلاميذ وتقوي إحساسهم بالالتزام والمسؤولية والقضاء على سوء السلوك في مدارسنا. فالطبيعة عند التلميذ بستانه المدرسي الذي اصبح عنده رمز الأرض يستلهم جو الجمال الذي يكتنفه، فتتحول نفسيته إلى مرآة تنعكس على صفحاتها مناظر الطبيعة التي تعطيه إحساسا بالجمال والمتعة، ومن تم بناء شخصية المتذوق الذي يستمتع بجوهر الأشياء مما يزيد من ميول الانطلاق الإبداعي والتدفق الإنتاجي لديه.

وحري بالذكر أن الحدائق المدرسية تعد من أهم الأدوات التي تساعد على صقل حواس الأطفال بغية فهم بيئتهم ومحيطهم وتكرس أهمية الإحساس بوصفه مصدرا مهما للمعرفة.

فلا أحد ينكر الثمرات التي يمكن جنيها من أعمال البستنة المدرسية على مستوى ترقية حاسة البصر لدى التلميذ والانطلاق بها إلى الآفاق وتفجيرها تعبيرا قويا وإحساسا عميقا جدا بالألوان في نفسيته لاسيما إذا كانت هذه الحدائق تحتوي على أزهار متوجهة الألوان وورود غنية المشهد وغطاء طبيعي حي متنوع المظهر. وقد أصاب علماء النفس والتربية كبد الحقيقة عندما أكدوا على أن تفاعل الألوان مع حاسة البصر يؤثرا إيجابيا على نفسية الطفل. فالحدائق المدرسية هي بمثابة تدريب مكثف لعين التلميذ تنمي لديه الإحساس الفاتن بادراك الألوان واستيعاب مختلف درجات الأضواء والظلال والتعرف على مواطن الجمال من خلال الرؤية والتمعن، وتحارب التلوث البصري بمختلف أشكاله.

ومن المسلم به أيضا أن الحدائق المدرسية ترهف حاسة السمع عن طريق التمييز بين الأصوات أدق تمييز والتتبع لخفايا الأنغام والنزول إلى أعماق أسراره من أغاريد الطيور والعصافير وخرير المياه وجميع الأصوات النابعة من تراقص وتناغم الأشجار والنباتات مع تقلبات أحوال الطقس كالرياح والأمطار والثلوج…حيث تبدو بمثابة لحن جميل يدخل أعماق التلاميذ فيطربهم ويجعلهم يحسنون تمييز أعذب الأصوات جرسا وأدقها نغما.

“تستطيع أن تسحق الزهرة لكن أنى لك أن تمنع عطرها” هذه المقولة تبرز بجلاء أهم حسنات الحدائق المدرسية على مستوى الحواس، وهي أنها مغذية لحاسة الشم، حيث تجعل التلاميذ يتعرفون على أنواع الروائح من فضاء الحديقة المتنوع ويدركون سماتها وخصوصياتها التي ترد إلى نفوسهم ابتهاجا بعد اكتئاب ونشاطا بعد فتور.

كما لا تخفى على الباحث أهمية الحدائق المدرسية على مستوى حاسة اللمس حيث تساهم في صقلها وذلك بالرعاية والعناية لتنمو وتتطور لتصل إلى أقصى إمكانياتها في أفق تسهيل عملية توافق الأطفال ، سواء مبصرين أو مكفوفين ، مع العالم من خلال إيقاظ وتنبيه مؤثرات اللمس في أخفى ما تطبعه على الإحساس، ذلك أن الحدائق المدرسية تساعد التلميذ على أن يدرك طبيعة الأشياء والمواد (صخور، أحجار،  رمال ، طين، غطاء نباتي…) فكلها تتميز بسحرها وبنبضها وخصوصياتها الفريدة والمعبرة عن جماليات كثيرة فتهيئ له من تم أساليب الفطنة والحذق والفهم مما تساعده على التعرف على هذه المواد وتجعله بالتالي لصيقا بمحيطه ومرتبطا ببيئته وتكفل له وسائل البلوغ إلى مواطن الائتلاف والكمال الفني.

أما حاسة الذوق فهي ليست فقط تلك القوة التي يدرك بها الإنسان الطعوم، و إنما أيضا هي القوة النفسانية المدركة لحقائق الأمور و تختبر طعم الأشياء و الحياة بصفة عامة، و دور الحدائق المدرسية هو فاعل وأساسي على مستوى أذواق التلاميذ وقدرتهم على النقد والتحليل والتعليل، فسلامة الذوق يرشد الطفل إلى حسن التصرف والسلوك ويهذب نفسيته ويرقي القيم الجمالية بداخله يقول المفكر احمد أمين : “ان الذوق عمل في ترقية الأفراد والجماعات أكثر مما عمل العقل. فالفرق بين إنسان وضيع وإنسان رفيع، ليس فرقا في العقل وحده، بل أكثر من ذلك فرق في الذوق، ولئن كان العقل أسس المدن ووضع تصميمها، فالذوق جملها وزينها. أن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الفرد، فجرده من الطرب بالموسيقى والغناء وجرده من الاستمتاع بمناظر الطبيعة وجمال الأزهار وجرده من ان يهتز للشعر الجميل والأدب الرفيع والصورة الرائعة، وجرده من الحب في جميع أشكاله ومناحيه ثم انظر بعد ذلك ماذا عسى أن يكون وماذا عسى أن تكون حياته”.

يتبين إذن أن الحدائق المدرسية هي مشاهد نقية تعيل حواس التلميذ وتأخذها إلى نظافة المحيط سواء داخل المؤسسة التعليمية أو في حياته بصفة عامة.

يعرف المربي وعالم النفس جون ديوي John Dewey المدرسة بأنها “الحياة وليست الإعداد للحياة” وذلك إشارة إلى أن عملية التربية والتعليم ليست فقط إعداد المستقبل فحسب، بل إنها عملية الحياة نفسها، حيث يكتسب من خلالها التلميذ خبرات عملية نافعة يجد فيها ابتهاجا ومعنى. من هنا ندرك ضرورة ايلاء الاهتمام الشديد بالحدائق المدرسية وذلك بالحماية والرعاية لتكون في نفس مستوى الاهتمامات الأساسية لبرنامج التربية والتكوين في أفق ربح رهان إعداد مدرسة فاعلة ذات بيئة تعليمية إيجابية تخدم التجديد التربوي  الذي أسس له الميثاق الوطني للتربية و التكوين و الساعي إلى تحقيق جودة المنتوج ووضعت اختياراته الوثيقة الإطار المتمثلة في مجموعة من القيم والكفاءات من بينها احترام البيئة الطبيعية واكتشاف المفاهيم والنظم المرتبطة بها في أفق تكوين مواطن ذي تربية مجالية تيسر اندماجه في محيطه والمساهمة في تدبيره بشكل معقلن.

يظهر جليا أن قضايا البستنة المدرسية هي مفتوحة على إشكاليات عديدة تستوجب البحث والدراسة والاطلاع المستمر على كل ما هو جديد ومفيد والاستفادة من الخبرات المتنوعة مما يثري الساحة ويفيد في إيجاد صيغ جديدة من اجل جعل أعمال البستنة جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية لان المعضلة تتمركز في ضعف ثقافة البستنة وعدم تغلغل هذا الفن في حياة المجتمع. و القمين بالإشارة أن من شأن اللقاءات حول الحدائق المدرسية التي يخلقها جميع الفاعلين في هذا القطاع أن تكون بمثابة إشعاعات تنير لنا الطريق بقصد توليد قائمة من الأفكار التي يمكن أن تؤدي إلى إنتاج حلول واستجابات عديدة يترتب عنها تحويل أعمال البستنة إلى هوايات ستمثل فرصة طيبة لكل أفراد المجتمع للتعامل مع الحدائق المدرسية ويجربوا أنفسهم متعة المساهمة في إنجاز هذه التحفة لابنائنا واستمتاعهم بهذا المحيط الطبيعي الجميل.

و الملاحظ أن المدرسة لن تتحمل لوحدها هذه المهمة الشاقة والمسلية، بل ان الانطلاق في إنجاز برامج الحدائق المدرسية، لتؤدي وظيفتها كفضاءات ترفيهية وتربوية على الوجه المطلوب، ينبغي مراعاة إشراك كل الأطراف المعنية بهذا الحقل التربوي في المجهود الرامي إلى تربية الناشئة على الحس البيئي داخل المؤسسات التعليمية، لأنها هي النواة الأولى لترسيخ مقومات السلوك البيئي السليم لدى عامة المواطنين.

ويجدر الوقوف هنا على دور التلاميذ في تحويل المدرسة إلى حديقة منظمة ومنسقة ملأى بحضور الورود والأزهار، حيث يجب منحهم الحرية الكاملة في الانفعال بهذا العمل والاستمتاع به وذلك بتشجيعهم على الكد والاجتهاد في هذا المجال وإرشادهم عن طريق دروس التأطير والمتابعة، وتفعيل التنافس فيما بينهم بأشكال مختلفة عبر خلق مجموعات العمل يتم تقييم النتائج من خلال احسن المردود وأجمل الإنجازات، وتزكية روح الجماعة عن طريق تذليل جميع المشاكل والصعوبات التي تجابههم وذلك بمدهم بالخبرة اللازمة لدخولهم معترك المجال الأخضر داخل مؤسستهم التربوية في إطار من علاقة الحب والتعاطف والتعاون، من دون استخدام الأوامر والتعليمات غير المبررة، أي أن تكون مشاركتهم تطوعية وإرادية مما يقوي فيهم القدرة على المساهمة الفعلية في تدبير شانهم المحلي المدرسي وعلى التحمل والتسامح والتمسك بالقيم الإنسانية النبيلة. وليس من شك في انه شعور جميل أن يعمل فيها مجموعة من التلاميذ بكل إخلاص وإتقان أثناء أوقات فراغهم الشيء الذي يساعدهم على كف السلوكيات الخاطئة والمنحرفة ومحاربة المشاعر العدوانية لديهم ويتسلل إلى نفسيتهم شيء من الدفء والتوازن وتجعل الابتسامة لا تفارق وجههم.

ويلزم التنبيه والتأكيد كذلك على أن للحدائق المدرسية أهمية كبرى لا غنى عنها أبدا في مجال التربية والتعليم لأنها تساهم في خلق التفاعل الإيجابي بين التلميذ وبيئته والأهداف العامة للتربية، مما يستدعي قلب الصورة الكلية لنمط التعليم الكلاسيكي شكلا ومضمونا، على اعتبار إن العملية التعليمية ليست في النهاية تحصيلا للمعرفة فحسب، بل أيضا تجاوز لتلك المعرفة لان المدرسة ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة تيسر عملية توافق الطفل مع العالم. فالمنهاج بهذا الشكل يستلزم طبيعة من نوع خاص تجعله مدركا للصلة الوثيقة بين التلميذ والحديقة المدرسية وإعداده إعدادا مناسبا لمتطلبات الحياة، الشيء الذي يحتم المشاركة الجماعية التي تهم جميع العاملين والمهتمين بالتربية من مدرسين ومديري المؤسسات التعليمية و المؤطرين التربويين والمهتمين بجميع الشعب المدرسية، لان كل المواد تقدم دروسا قيمة للتلاميذ هي عبارة عن رسائل تربوية لها علاقة وثيقة بالبيئة والمجال الطبيعي والحدائق المدرسية.

فشعب اللسانيات بمختلف مشاربها (العربية -الفرنسية-الإنجليزية-الإسبانية-الألمانية..) تعير اهتماما بالغا لهذا الموضوع من خلال مجموعة من النصوص الشعرية والنثرية.كما ان شعب الاجتماعيات وعلوم الفيزياء وعلوم الحياة والأرض مرتبطة ارتباطا كبيرا بموضوع المجال الطبيعي.أما شعبة التربية الإسلامية فإنها تعنى بهذا الحقل عناية خاصة من خلال آيات القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.في حين أن شعبة علم الاجتماع والنفس فإنها تتناول هذا الموضوع من خلال البعد السيكولوجي : كالدوافع والميول والإدراك والذاكرة والشخصية وكذا البعد السوسيولوجي كحياة الفرد وسلوكه ونشاطاته المختلفة، أما شعبة التربية البدنية فإنها تستفيد من الحديقة المدرسية بشكل كبير من خلال تلطيف هواء المؤسسة والقضاء على التلوث وخلق التظليل وتوفير الأوكسجين…

ويظهر من عمق هذا التحليل أن هذه المواد مجتمعة تكتسي أهمية قصوى باعتبارها مسؤولية ذات طبيعة خاصة وأبعاد مستقبلية على مستوى الحدائق المدرسية، الا أن مسؤولية تنفيذها لا تقل أهمية وخطورة لان الأمر يتعلق بترجمة المخططات والنصوص والنظريات من عالم الأفكار والتصورات إلى عالم الأفعال والأعمال ، فمواد الدرس لا قيمة لها إذا لم تساعد على تنمية الحس البيئي وتعميق المفاهيم البيئية لدى التلاميذ على ارض الواقع المدرسي.

والظريف الجميل الرائع أن نجد عدد كبير من الأساتذة والإداريين والأعوان بمختلف ربوع المملكة يساهمون في تجدير الوعي البيئي داخل المؤسسات التعليمية وبعثه مجسما حيا في شكل حدائق جذابة خلابة محببة إلى نفوس التلاميذ مما أدى إلى إعادة الاعتبار لهذا العنصر التربوي الهام وإثراء الإلهام البيئي بمدارسنا. ويجدر بنا في هذا المقام أن نوجه إليهم تحية تقدير واحترام على عملهم الطوعي وجهودهم الطيبة في إنجاح هذه البرامج.

ولا يمكن أن يغيب عن أذهاننا دور جمعية أباء التلاميذ في مراعاة رسالة الحدائق المدرسية المتمثلة في تربية وتنشئة الأطفال وذلك بتقديم الدعم المادي والمعنوي للجنة البستنة بالمدارس والمساهمة في حل المشاكل التي قد تطفو على السطح بين الفينة والأخرى. وفي نفس الاتجاه يبرز دور المجتمع المدني في الاهتمام بهذا المجال وتدعيم قيم البستنة بالمؤسسات التعليمية وذلك بخلق أوراش التطوع بتنسيق مع الجهات المعنية .بيد أن دور الجماعات المحلية يمكن أن يكون رائدا في هذا الباب لما لديها من إمكانيات بشرية ومادية يمكن الاستفادة منها لإعادة الأهمية للحدائق المدرسية، وتستمد هذه الفكرة مبررها من ميثاق التنظيم الجماعي الذي جعل من أهم أهدافه حماية البيئة والنهوض بها والعمل على إحياء تقاليد البستنة بشكل عام وبالتالي يمكن جعل الحدائق المدرسية قدوة يحتدى بها في الحياة العامة، ولا أدل على صدق هذا التحليل وسلامة الأساس الذي يقوم عليه من كون التلميذ يكتسب عدة خصال تتأصل في شخصيته وتكرس قيم التربية على المواطنة وبالتالي القدرة على أن يكون في كل مرحلة من عمره مواطنا فاعلا بكل المقاييس.

والخلاصة التي نستقيها من هذا كله هو أن تكاثف الأدوار وتعاضدها وتكامل الجهود وتظافرها قمين بتحقيق الأهداف المنشودة وبالتالي جعل مؤسساتنا التعليمية تتألق من خلال إبداعات وإسهامات كل من يعشق فن البستنة ويمارسه، هاويا كان ام محترفا، والبحث عن جميع السبل التي نضيف بها البهجة إلى حياة التلاميذ لتحقيق الأهداف العامة للتربية والتكوين بغية ربط دور المدرسة في خدمة المجتمع وجعل التلميذ على المدى القريب والبعيد مواطنا نشيطا محليا ووطنيا وعالميا وبالتالي بناء أجيال تحترم المجال والبيئة.

أن الحاجة الملحة إلى إبداع نماذج مميزة من الحدائق المدرسة تقتضي ابتكار أساليب متنوعة لفن البستنة واقتفاء كل ما هو جميل في هذا الميدان ولكن بهوية مغربية التي تراعي الخصائص المحلية والثقافية لكل منطقة أو جهة من اجل جعل التلميذ منسجما مع ذاته ومع الحياة التي حوله وذلك بالاعتماد على خامات ومواد البيئة المغربية الأصيلة في أفق ربط الإنسان المغربي ببيئته ووطنه. فهذه المواد والخامات تعد طاقات للمخيلة النشيطة عند التلميذ يتباهى بها وبأنماطها المختلفة لكونها تنم عن عبق ورائحة التجربة المغربية التي تمنح لكل مدرسة شخصيتها المميزة وطابعها المتفرد، حيث يجد فيها التلميذ ما يجب من النزهة الساحرة والمفيدة، بيد أن الأخذ بعين الاعتبار الوجود الجغرافي والثقافي المحلي في إعداد الحدائق المدرسية لا يمنع إطلاقا الاستفادة من التجارب العالمية ومن الإرث الإنساني، بمعنى أن حدائقنا المدرسية لا يمكن صياغتها دائما صياغة تقليدية بل يجب الانفتاح على تجارب الغير. إلا أن هذه التجارب إن كانت هادفة إلى التجديد لمن الممكن أن تفقد جدتها أن وقع الاقتصار فيها على نموذج معين، غير أنها إذا انتهجت طريق التنوع فان المكتسبات من خلالها تبقى راسخة في المحصول التربوي الهادف. لهذا لا بد أن تكون كل خطوة مضبوطة ودقيقة ولا يمكن إنجاز أي عمل بدون التوفر على المهارات الفائقة حتى لا تصبح هذه الحدائق عديمة الدلالة ،هذا هو المبدأ الأساسي الذي يجب أن يتبعه مصممو الحدائق المدرسية لخلق علاقات جمالية بين جميع المكونات والاختيار الدقيق للعناصر التي تتفق مع المحيط الطبيعي للحديقة في التحام تام حتى تصبح هذه الأخيرة ذات مظهر فاتن ومتوازن الأشكال وبالتالي محل فخر المدرسة.

ومن الواضح أن هناك الكثير من المعطيات التي يجب مراعاتها عند تخطيط الحدائق المدرسية في مقدمتها تنوع الغطاء النباتي والذي يظهر كنشوة منظمة بلغة الألوان الزاهية لتضفي جمالا إضافيا للمدرسة، والى جانب هذا يجب اختيار أنواع النباتات التي لا تشكل خطورة على التلاميذ كالأشجار والنباتات الشوكية وتجنب زراعة النباتات السامة وعدم تسميد الحديقة ببعض الأسمدة التي تكون مصدر العدوى أو تنقل بعض الأمراض…علاوة على هذا يجب تقليم النباتات والأشجار للحفاظ على مظهرها الجمالي وعلى حيويتها وتحقيق تأثير جمالي رفيع المستوى.

كما أن الحديقة المثالية هي التي تستلهم مناظرها من الأحجار ذات الأشكال المميزة والتي تظهر في كتل ترتفع فوق الغطاء النباتي حيث يتم ترتيب الصخور حسب نوعها وشكلها ولونها في انسجام تام وبالشكل الذي يتفق مع المحيط الطبيعي للحديقة، أي الاستفادة من المميزات الطبيعية لكل صخرة. كما يجب اختيار التربة الجيدة التي تسمح للنباتات بالتنفس الجيد وتحري عناصر غذائية مهمة إضافة إلى شكلها الجيد. هذا بالإضافة إلى أشكال طبيعية أخرى كالرمال والطين والحصى…دون أن ننسى عنصر الماء باعتباره رمز الحياة والذي يظهر داخل الحديقة المدرسية من خلال بركات مائية صغيرة أو نافورات…ولا ضير كذلك في تواجد بعض الحيوانات الأليفة أو بعض الطيور المميزة الشيء الذي يحول هذه الحدائق إلى صورة مصغرة من الطبيعة بالشكل الذي يحقق فكرة النقل عن الطبيعة ومحاكاة ألوانها وأضوائها وظلالها وأشكالها المتناهية والمتداخلة في جسد الحديقة المدرسية حيث تبعث إحساسا بالوجود في الخارج لدى التلميذ، كما تشرح له كيفية الاستماع بالحياة في الأرياف.

هكذا يكون شعور الطفل الذي لا تشرق عليه الشمس إلا اشتد طمعه في لقاء حديقته المدرسية لأنها تلبي حاجاته الروحية وتهز كيانه وتستأثر بقلبه، فينتقل بين أرجائها ليستمتع بجمال الورد الرقيق النظرة ويتخير من نباتاتها أزهارها الجميلة اليافعة والتي تثير في النفس حنانا إليها. فما اشد حاجة مدارسنا للحدائق المدرسية والتي تجعل منها مكانا للتأمل والمحبة ومجلى للمشاعر الإنسانية وليست مجرد بنايات إسمنتية بدون روح ولاحس تحاول عزل الأطفال في أقفاص مغلقة تشعرهم بضرب من التناقض بين الناحية الاجتماعية والضوابط المدرسية.كما أن هيئة التدريس ستستفيد هي أيضا من الحدائق المدرسية لأنها توفر الأجواء التربوية السليمة و تبعد هذه الهيئة من ظروف و أسباب الاحتراق النفسي.

وإذا كان من المسلم به أن الإبداع يعتبر من أهم الأهداف العامة للتربية، فان الحدائق المدرسية تساعد على تطوير التوعية الفنية والجمالية للتلاميذ من خلال إطلاق وتفجير طاقاتهم الإبداعية وتهيئ الظروف والبيئة الملائمة لتنمية التفكير الإبداعي في إطار المنظومة التعليمية الشاملة. فالحدائق المدرسية تساعد التلميذ على أن يمتلك قدرات إبداعية عديدة لكونها تحرك طاقات الخلق الكامنة في أعماق نفسه وتتيح له فرصة للتخيل وكذا القدرة على عرض أفكاره بصورة مبدعة نظرا لما تتضمنه هذه الحدائق من ظروف و مواقف تيسر الإبداع. فالتلميذ يفجر طاقته الإبداعية بعد أن يعيد اكتشاف التجارب والأفكار والقدرات التي اختلجت في عقله ووجدانه وعاطفته وروحه، فيعبر في الوقت المناسب عن رؤياه ومشاعره الذاتية.

فلا يكاد أحد يماري في أن الإحساس كان سابقا على الإبداع، وان أعمال البستنة تعد بمثابة القلب النابض في التدريس الإبداعي لكونها تجعل التلميذ رقيق الحس مرهف القلب وتساعده على تلمس الجمال والمتعة وعلى إدخال الخيال والشعور في نفسيته وتتيح له الفرصة للتعبير عن مشاعره الخاصة وعالمه الباطني.

مما تقدم نلمس مدى أهمية العملية الإبداعية لدى التلاميذ من خلال ممارسة أنشطة وأعمال البستنة المدرسية ، لا سيما أن دورها يتعاظم في هذا المجال عند انصهارها مع الفنون بشكل عام، ذلك أن انقطاع الفنان عن المدرسة وقيام علاقات تباعدية بينهما أسهمت في ظهور أسباب التصحر بمؤسساتنا التعليمية. وتكمن الفائدة من تفاعل الفنون وتلاقحها مع الحدائق المدرسية في أنها تكون حافزا على المزيد من الإبداع والخلق والجمال ويؤدي تأثير هذا التكامل والتفاعل على نفوس التلاميذ  إلى إمكانية تعلم الإبداع والتدريب على ممارسته لكونه يبرز اقتران سحر الحدائق المدرسية بمتعة الفنون المختلفة، لذلك يكون من الأجدى خلق مساحة أو حقل لكل فن من هذه الفنون داخل هده الحدائق لجلب اكثر العشاق ، فكل تلميذ سيشعر بوجود شيء منه فيها من خلال الفن الذي يحبه ويعشقه.

فعلى ضوء هذه المقتضيات يمكن القول أن فن تخطيط الحدائق المدرسية لم يبق جامدا في مكانه، بل أدخلت عليه أفكار جديدة بغية الوصول إلى الأهداف الإبداعية من خلال معانقة كل الفنون لأجواء طبيعة المدرسة بكل تناغم وتكامل، وهذا يظهر بجلاء عند تحويل الحدائق المدرسية إلى قيم زخرفية وأشكال هندسية وذلك بتوظيف الإمكانيات التشكيلية في عملية إعداد هذه الحدائق كإنجاز منحوتات فنية طبيعية بواسطة النباتات أو الأحجار أو غيرها تجسد أبعاد تربوية كمعالم سيادة الآمة مثل النجمة الخماسية أو شعار المملكة المغربية… وكذا إقامة مسرح صغير داخل الحدائق المدرسية وتقديم عروض مسرحية وفنية داخل أجوائها مما يزيد من فعالية الأعمال الفنية والمسرحية، يضاف إلى هذا إجراء أو راش لفن الرسم لاستفادة التلاميذ من رونق الأشياء وجمال الأشكال، وإقامة أمسيات موسيقية وشعرية داخل رواق الحديقة …كل هذا سيساعد في تفجير قدرات المتعلمين الإبداعية وصقل ملكة الخلق لديهم.

من هنا يتضح أن العلاقة بين الفنون والحدائق المدرسية هي علاقة وثيقة لا نملك سوى أن نعجب بها. ويجدر الوقوف هنا على دور الحدائق اليونانية القديمة في تحقيق المعجزة الإغريقية على اعتبار أنها كانت تحتضن في الهواء الطلق الحلقات التعليمية والعروض المسرحية والموسيقية والشعرية والمجادلات الفلسفية إضافة إلى أعمال فنية للرسم والنحت …والتي أنجبت لنا عباقرة في دروب إبداعية مختلفة أمثال  أر سطوAristote – أفلاطون Platon– سقراط Socrate– فيدياس Phidias-هوميروسHomère – بندار Pindare- هيرودوتHérodote  … بحيث لا أحد يجادل في مقدار ما كان لهذه الحلقات من اثر عظيم في مسار التاريخ الإنساني.

وإذن فليس من سبيل إلى أن نقبل بفن البستنة بمؤسساتنا التعليمية، وإنما السبيل أن نوازن بينه وبين باقي الفنون، وليس إلى هذه الموازنة المنتجة من سبيل إذا لاحظنا القواسم المشتركة فيما بينها في أفق تحقيق التناغم والتأثير والتفاعل المطلوب حتى نتقن فن البستنة المدرسية اتقانا ونحسن الانتفاع به ونستثمر نتائجه في الحاضر والمستقبل. ولو ان لنا أن نقترح لرفعنا هذا الاقتراح إلى جهازين أساسيين : وزارة التربية الوطنية ووزارة الثقافة ، وهو أن تكون الفنون من أهم مميزات حدائقنا المدرسية، فهل يسمع لهذا الاقتراح؟.

وغني عن البيان أن عدة منظمات دولية اهتمت بموضوع الحدائق المدرسية في مقدمتها منظمة الأمم المتحدة لتربية والعلوم والثقافة -UNESCO- التي أجرت بحوثا ميدانية في بعض المدارس الحديثة وصلت إلى نتائج بالغة الأهمية وأكدت كلها على الدور التربوي والنفسي للحدائق المدرسية.

أما منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)-FAO- فقد ركزت اهتمامها على علاقة الحدائق المدرسية بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي وذلك بإتاحة الفرص للناشئة في جميع أنحاء العالم لتفجير طاقاتها الإنتاجية عندما أعلنت بتاريخ 30 يونيو 2005 بروما بان الحدائق المدرسية باستطاعتها أن تكون أداة قوية لتحسين مستوى تغذية وتربية الأطفال و أسرهم في المناطق الريفية والحضرية للبلدان النامية إذا ما تم دمجهم ضمن البرامج القطرية الزراعية و التغذوية والتربوية، ومما يذكر أن المنظمة كانت قد قدمت منذ عام 1997 الدعم من خلال برنامجها المعروف باسم (تليفود :TELEFOOD) لما يزيد على 150 مشروعا صغيرا من مشاريع الحدائق المدرسية في اكثر من 40 بلدا.

ومن جهة أخرى فقد أولت كل من منظمة الصحة العالمية-Organisation mondiale de santé- وكذا منظمة اليونسيف-UNICEF-  عناية خاصة للحدائق المدرسية لأنها تساهم مساهمة فعالة في التربية النفسية والصحية للأطفال وتحارب التلوث بجميع أشكاله داخل المؤسسات التعليمية وتنمي الوعي البيئي لأطفال المدارس ودعتا إلى الحفاظ على بيئة نظيفة والزيادة من المجال الأخضر لتدعيم برامج الصحة المدرسية.

وهكذا نرى أن الحدائق المدرسية هي قصة ممتعة موحية، يتابعها التلميذ بشوق وينتهي منها إلى فائدة، لأنها تنطوي على شئ كثير من الجدة والمتعة، وقد الممنا إلمامة قصيرة بهذا الموضوع ولكنها نافعة لأبنائنا. فالحدائق المدرسية عبارة عن كنوز خليقة أن تستكشف وان تدرس على وجهها لان لها آثار مزدوجة على الحياة المدرسية والمجتمع كله.

فألف تحية لكل من ساهم في هذه الملحمة التربوية لتكون حافزا للناشئة إلى تلمس الجمال و نشدان الإبداع وتبيان الطريق…

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى،مدير ورئيس تحرير جريدة" البيئة "الورقية، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة، ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *