جائحة كورونا : جدل فلسفي غربي يعري المنطق البراغماتي ويعيد النظر في مسالة التفوق الأوروبي.

عبد المجيد بوشنفى

صدرت مؤخرا كتب ومقالات تتحدث عن مستقبل الحضارة الغربية ما بعد كورونا، وأجمعت بأن الجائحة عرت خرافة التقدم التكنولوجي، وقدرة الغرب على مواجهة جميع الاحتمالات التي قد تزعزع أمنه واستقراره.

فالجائحة حسب نفس المصادر كشفت هشاشة التلاحم  الغربي، وطغيان النزعة الفر دانية  لدى دوله. وكل دولة انشغلت بهمها وانكفأت على مافيها من مصيبة وكارثة صحية.وهدا ما حدث مع ايطاليا عندما تخلى عنها  الأصدقاء والحلفاء من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في محنتها في حربها ضد فيروس كورونا.وقد  أقرّ دلك مفوض إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، يانيش لينارشيش  حين قال  “كان الرد على طلب المساعدة الإيطالي من بقية الدول الأوروبية غير كافٍ في بداية الأمر”

ودهب ادغار موران العالم الانثروبولوجي الفرنسي في نفس  الاتجاه  حين أكد أن جائحة كورونا عوض أن تعمل على توسيع مبدأ الانفتاح و تحقيق التواصل والتعاون بين الدول الأوروبية ، كرست مسالة انغلاق كل دولة على ذاتها . وهدا ما دفع بالفيلسوف ميشيل أونفري الأكثر جدلا في اوروبا في كتابه “الانحطاط” إلى اعتبار أن جائحة فيروس كورونا المستجد ستشكل مرحلة جديدة في “انهيار الحضارة اليهودية المسيحية” .

وكشف  تشومسكي عالم اللسانيات الأمريكي كيف أن الرأسمالية النيوليبرالية نفسها تقف وراء التعامل الفاشل للولايات المتحدة مع جائحة كورونا”.

إن  فيروس كورونا حسب المراجعة الفكرية الفلسفية الغربية عرى هشاشة النظام الصحي الغربي ، وعدم قدرته  على تلبية حاجيات مواطنيه ، وتخليه عن مسنيه بشكل بشع.مما ولد أسئلة عميقة تتعلق بقيمة الإنسان( احترامه، وصيانة كرامته)، مسالة الديمقراطية الصحية، وعلاقة الدولة بالمجتمع: هل هي في خدمته أم في خدمة ذاتها ومصالحها السياسية والاقتصادية؟.

إن تواطؤ السياسي والاقتصادي على حساب الاجتماعي والقيم الإنسانية، اتضح بشكل جلي أثناء الجائحة ، حيث كشفت هده الأخيرة عن تواطؤ الأجهزة الحاكمة الغربية  مع لوبيات المختبرات و شركات صناعة الأدوية، التي رأت في الجائحة سوقا عالميا يمكن أن تحقق من خلاله أرباحا طائلة، فهاجمت  كل  طرح أو اقتراح علاجي دوائي، بسيط  يكون في متناول سكان العالم، موظفة  في دلك آلتها الإعلامية. وهذا ما أكده البروفيسور الفرنسي ديدييه راوول  في لقاءاته الصحفية  حين قال” الظاهر أن التضليل الإعلامي قد وصل لمجال المجلات العلمية التي أصبحت تنشر أشياء لا علاقة لها بالحقيقة والميدان والعلم، نحن نتكلم عن واقع ومرضى عالجناهم وتتبعنا حالتهم بدقة،… فالكلوروكين كان يستعمل قبل كورونا بدون اي مشاكل، والآن يتم الحديث عن خطورته لسبب واضح، هو أنه رخيص وفي متناول_الجميع، والآن يتم الترويج لأدوية جديدة يقارب سعرها 200 اورو ويجري تشويه الكلوروكين والترويج لمضاره، الدافع تجاري وربحي لا غير ، الأمر واضح.” ويضيف” هناك  حقيقية حول صناعة الأدوية، والمحاولة الدائمة لدفن الأدوية القديمة التي فقدت ربحيتها، والترويج للأدوية جديدة لضمان الربح، هذا إشكال حقيقي.”

كما كشفت الجائحة عن تدبدب منظمة الصحة العالمية، و خنوعها وخضوعها للضغوطات وللمنطق البراغماتي الدولي.

هذا الموقف يذكرنا، بقضية التغيرات المناخية، عندما أكد  بعض علماء المناخ أنها السبب الرئيسي فيما يعرفه العالم من كوارث طبيعية، وان دلك سيؤثر بشكل سلبي  على  الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئة العالمية، وطالبوا أصحاب القرار باتخاذ إجراءات صارمة  للحد من انبعاث الغازات السامة الناتجة عن الأنشطة الصناعية. إلا أنهم تعرضوا لهجوم شديد من طرف اللوبي الصناعي العالمي ومعه بعض الأنظمة السياسية على رأسها  إدارة الولايات المتحدة الأمريكية ( بوش- ترمب)، بحيث تم توظيف علماء وأدوات إعلامية للتشكيك في ظاهرة التغيرات المناخية.

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى،مدير ورئيس تحرير جريدة" البيئة "الورقية، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة، ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *