آخـــر الأخبـــار

التحرير الجيني يفتح آفاقًا جديدة للعلوم

البيئة بريس/ NATURE

 

يقول كيفين إيسفيلت إن الأبحاث والتطورات المتسارعة في مجال الدفع الجيني تتيح الفرصة لإعادة صياغة القواعد المنظِّمة للعلوم.

مِن الواضح أن ظهور أنظمة الدفع الجيني التي ساعدت على سرعة انتشار الطفرات المهندَسَة وسط تجمعات الكائنات الحيةـ يعني أنه بمقدور كائن حي واحد يتم إطلاقه خارج المعمل أن يغيِّر التجمع الذي يعيش فيه، وربما يصل التغيير أيضًا إلى جميع التجمعات في كافة أنحاء العالم. وسيؤثر أي إطلاق غير مخطَّط له لأي كائن حتى لو لم يسبب ضررًا بيئيًّا تأثيرًا حتميًّا سلبيًّا على ثقة الجمهور؛ ومن ثم سيفضي إلى وضع قيود صارمة على الأبحاث.
في شهر يونيو الماضي، أصدرت “الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم” مجموعة توجيهات بشأن السلوك المسؤول في مجال أبحاث الدفع الجيني. ويأتي هذا التقرير بعد قرابة عامين من صدور المنشور الأول الذي يصف كيف تمهِّد تقنية التحرير الجيني “كريسبر-كاس9” CRISPR-Cas9 السبيلَ للدفع الجيني لكائنات حية مختلفة. وسيكون لهذا التحول السريع في موقف الأكاديمية أثر دائم على المجال؛ فقد استخدم العلماء أنظمة الحث الجيني القائم على تقنية “كريسبر” في أربع فصائل من الحيوانات حتى الآن.

“يخفُت الانفتاح والتجاوب في مجال العلوم في ظِلّ ضَعْف الحوافز التشجيعية الحالية”
ويقدم التقرير مقترحات معقولة، مثل الاختبار المرحلي، وتقييم المخاطر البيئية. وإذا كنا بصدد وضع إجراءات ملائمة تقي من المخاطر ذات الصلة بالدفع الجيني، وسائر التقنيات القوية، فعلينا أن نعالج مشكلة أكبر، ألا وهي الطبيعة المنغلقة للعلوم.
لا أحد يستطيع أن يضع تصميمًا عقلانيًّا للمشروعات العلمية الحالية، بسبب ما في ذلك من مضيعة للوقت والجهد، كما أنها غير مجدية. فكثيرًا ما يصادف الباحثون المشكلات نفسها، ويكررون الجهود نفسها، من حيث لا يدرون. يثبط ذلك من روح التعاون بينهم؛ إذ لا ندرك أبدًا مَن يمتلك الجزء المفقود من الأحجية، إلا إذا التقينا بهم مصادفة في أحد المؤتمرات. ويضيع الوقت بالطبع في كتابة طلبات لا تنتهي، من أجل الحصول على مِنَح، مما يؤثر تأثيرًا سيئًا للغاية على رفاهية الباحث؛ إذ يدمر ضغط التنافس قدرة الباحث على الاستكشاف والإبداع بنشاط.
أضف إلى ذلك عدم الشعور بالأمان، في ظل البطء الشديد في إصدار اللوائح والأنظمة. وبالتالي، يتعذر على الباحثين التنبؤ بالعواقب على نحو يعوَّل عليه، خاصة أن مجال العلوم رحب للغاية. وقد لَخَّص روبرت أوبينهايمر، رائد القنابل الذرية ـ هذه المشكلة تلخيصًا وافيًا عندما قال: “عندما ترى شيئًا واعدًا من الناحية التقنية؛ فإنك تشرع في تنفيذه، ولن تناقِش تصرُّفك حياله، إلا عندما تحرز نجاحًا تقنيًّا”.
وبينما لا تستحق نجاحات تقنية معينة أن نسعى وراء تحقيقها، إلا أن هناك نجاحات أخرى نحتاجها بشدة. إذَن كيف لنا أن نميز بين أنواع النجاح، إذا كانت التجارب والأبحاث العلمية تُجرى خلف أبواب موصدة؟
ثمة بشائر لبعض التقدم الحاصل في المجال، فقد عقدتُ مع زملائي ـ قبل إجراء أي تجارب ـ نقاشات مفتوحة حول العواقب المحتمَلة للدفع الجيني القائم على تقنية “كريسبر”. وقد عمل الكثير من الباحثين في مجال الدفع الجيني جنبًا إلى جنبٍ من أجل تحسين مستوى الأمان وزيادة الشفافية، وإنْ كانت كل هذه الجهود غير رسمية. فعلى سبيل المثال.. اطّلعت مجموعتي على ورقة بحثية عن الدفع الجيني، أعدَّها معمل آخر، واستطعنا اقتراح تعديلات، منها ضرورة وجود ضمانات إضافية؛ لتفادي الإطلاق غير المحسوب للكائنات المعدَّلة وراثيًّا. وكانت المصادفة أننا لم نعلم بأمر هذه الورقة البحثية إلا عندما قَدَّم لنا أحد الصحفيين نسخة من البحث، قبل إتاحته للجمهور.
ومع الأسف، يخفُت الانفتاح والتجاوب في مجال العلوم في ظل ضعف الحوافز التشجيعية الحالية، حيث يحدث كثيرًا أنْ يكون جزاء العلماء الذين يكشفون عن أفكارهم أنْ يسبقهم إلى نشرها معمل آخر، بدلًا من أن ينالوا التقدير اللازم لإبداعهم. ويؤدي ذلك إلى الوقوع فيما يسمى “معضلة السجينَين”؛ إذ مِن المفترَض أن يعود التعاون بالنفع على الجميع، ولكن إسهامك قد يُستغَلّ من قِبَل أناس يسرقون فكرتك، ويسبقونك إلى تنفيذها، وينسبون النجاح إلى أنفسهم.
توفر الأبحاث في مجال الدفع الجيني مخرجًا من هذا المأزق، إذ يُعَدّ المجال جديدًا وصغيرًا، وقد عمل الكثير منّا معًا بالفعل من أجل نشر توصية مشترَكة تنادي باستخدام استراتيجيات تقييدية صارمة ومتعددة عند إجراء التجارب المستقبلية. وتكشف بالفعل مجموعات عديدة عن أبحاثها في مجال الحث الجيني، سواء المقترَحة منها، أم الجارية، وترحب بتَلَقِّي أيّ تغذية راجعة. وبفتح نقاشات واسعة بين الباحثين والممولين، تهدف إلى إيجاد طرق؛ لضمان تعاون وتجاوب الجميع.
في القريب العاجل، ستُطْلِق مجموعتِي ومجموعات أخرى “مشروعَ العلوم التعاوني” Responsive Science Project؛ لتمكين العلماء في مجال الدفع الجيني من مشاركة خططهم وأبحاثهم مع بعضهم البعض، ومع المجتمعات المهتمة بالأمر. ونأمل أن يصبح المشروع بمثابة خزانة مركزية للأفكار والمعلومات ذات الصلة بأبحاث الدفع الجيني، تفسح المجال أمام التقييم الشامل والتحليل النقدي، قبل الشروع في تنفيذ التجارب.
ويمكن أن تسهم الدوريات العلمية في تحفيز العلماء على مشاركة مقترحاتهم. فعندما تُنشر ورقة بحثية من قِبَل ناشرين لا يراعون قواعد النشر الجديدة ـ التي تقتضي الكشف عمّا يفعلونه، والتعاون مع الناس الذين بادروا بتقديم الفكرة الرئيسة ـ فيمكن للدوريات عندئذ أن تعود إلى خزانة المعلومات؛ لتحديد العلماء الذين يستحقون أن يُنسب إليهم الفضل، وأن تدعوهم إلى كتابة مقالات مرافِقة للورقة البحثية. وبالمثل، يجب على جميع الممولين أن يَشترِطوا الكشف الفوري ـ على الملأ ـ عن المقترحات التي تنطوي على تقنيات الدفع الجيني، فضلًا عن الكشف بانتظام عن كل ما يطرأ على وضع البحث الممول من مستجدات.
وإذا نجحت هذه المحاولة لجعل العلوم أكثر انفتاحًا في مجال واحد، فربما تمتد لتشمل الأبحاث الخاصة بتقنيات أخرى ذات علاقة، وغير ذلك من مجالات. ويُعَدّ هذا سببًا كافيًا لتطبيق الطريقة على سبيل التجربة، بيد أن تقنية الدفع الجيني تملك سببًا إضافيًّا، من حيث كونها فريدة من نوعها؛ وبالتالي تتطلب طريقة جديدة وفريدة لتنفيذها.
ولأنّ تبعات الأخطاء ذات الصلة بالكائنات التي خضعت لتقنية الحث الجيني قد تؤثر على مجتمعات خارج المعمل، فيجب على العلماء الالتزام بعرض خططهم علنًا، ودعوة الآخرين إلى تقديم مقترحاتهم، والإفصاح عن مخاوفهم، والكشف عن نتائج التجارب في أقرب وقت ممكن، وإعادة تصميم التقنية، إذا لزم الأمر. ومِن المرجَّح أن تنال هذه الطريقة ـ بعد أن طُبِّقت على مجال الحث الجيني ـ دعمًا شعبيًّا لاستخدامها في مجالات مِن شأنها أن تنقذ حياة ملايين من البشر، وتحمي العديد من الفصائل الحيوانية من الانقراض.
ويجب علينا أن نضمن الانفتاح والتعاون في مجال أبحاث الدفع الجيني، ومن ثم ننقل هذه التجربة المختلفة إلى مختلف الأوساط العلمية.

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *