آخـــر الأخبـــار

تجديد النخب الصحفية: بين الاستحقاق والشبكات المغلقة

المفارقة المؤلمة أن الصحافة، التي يفترض أن تكون نموذجاً في التدبير الديمقراطي، وتناوب النخب، ومحاربة الاحتكار، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، تجد نفسها اليوم مطالبة بتقديم الدليل على أنها لا تكرّس داخل مؤسساتها ما تنتقده في المجتمع والسياسة.
فكيف يمكن لسلطة رابعة أن تحارب احتكار السلطة والثروة والنفوذ، بينما تتحول بعض مواقعها ومؤسساتها إلى فضاءات مغلقة تعيد إنتاج الوجوه نفسها، وتكرس نفوذ اللوبيات، وتمنح الامتيازات وفق منطق العلاقات والانتماءات، بدل الاحتكام إلى معايير مهنية واضحة وشفافة؟
الأخطر أن استمرار الوجوه نفسها في مواقع القرار لا يهدد فقط مبدأ تناوب النخب، بل يقطع الطريق أمام جيل جديد من الصحافيين والمهنيين الذين راكموا التجربة والكفاءة، ويجعل الولوج إلى مواقع المسؤولية وكأنه امتياز محفوظ لمن سبق أن امتلك مفاتيحها.
وحين يصبح النفوذ المهني مرتبطاً بالشبكات والعلاقات أكثر من ارتباطه بالكفاءة والاستحقاق، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حول أسماء أو مواقع، وإنما يتحول إلى أزمة في النموذج الديمقراطي لتدبير المهنة.
الصحافة مطالبة بأن تكون أول من يطبق ما تطالب به الآخرين: الشفافية، المساءلة، تكافؤ الفرص، تداول المسؤوليات، ومحاربة الاحتكار.
فلا يمكن أن نطالب السياسيين بتجديد النخب، ثم نرفض نحن تجديد الوجوه. ولا يمكن أن ننتقد الزبونية في المؤسسات العمومية، ثم نصمت عندما يشتبه الصحافيون في وجود منطق مماثل داخل مؤسساتهم المهنية.
إن السلطة الرابعة تفقد جزءاً من مشروعيتها الأخلاقية عندما تتحول امتيازاتها إلى امتيازات مغلقة، وعندما يصبح الانتماء إلى شبكة معينة أقصر طريق نحو المواقع والمنافع، بينما يُطلب من الوجوه الجديدة الانتظار إلى أجل غير مسمى.
المطلوب ليس إقصاء الوجوه القديمة لمجرد قدمها، وإنما وضع قواعد تجعل الكفاءة والتجربة والاستحقاق والديمقراطية الداخلية هي المحدد الحقيقي للارتقاء، مع فتح المجال أمام دماء جديدة قادرة على تجديد المهنة.
فالصحافة التي لا تسمح بتجديد نخبها، ولا تضمن تكافؤ الفرص بين مهنييها، قد تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية: تحارب الاحتكار خارجها، بينما تكرسه داخلها.

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *