مع الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تبدو دائرة مكناس واحدة من أكثر الدوائر إثارة للاهتمام، ليس فقط بسبب المقاعد الستة التي تتنافس عليها الأحزاب، وإنما أيضاً بسبب طبيعة المنافسة نفسها. فمكناس ليست دائرة يمكن قراءة نتائجها بسهولة من خلال البرامج الانتخابية أو الخطاب السياسي الوطني وحدهما؛ إذ تلعب شخصية المرشح، وشبكته الاجتماعية والمحلية، وعلاقاته بالمنتخبين والفاعلين، وقدرته على التعبئة يوم الاقتراع، أدواراً قد تكون حاسمة.
وتؤكد نتائج انتخابات 2021 هذه الخصوصية: فقد تصدر الاستقلال النتائج بـ29,425 صوتاً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ28,336، ثم الحركة الشعبية بـ22,550، والاتحاد الدستوري بـ12,966، والأصالة والمعاصرة بـ10,347، والعدالة والتنمية بـ7,459 صوتاً.
وفي انتخابات 2026، تعود أسماء لها تجربة طويلة، إلى جانب أسماء جديدة أو مرشحين يخوضون السباق تحت ألوان حزبية مختلفة، ما يجعل الانتخابات الحالية اختباراً حقيقياً لقوة الشبكات الانتخابية أكثر من كونها مجرد مواجهة بين البرامج.
أولاً: لماذا تختلف انتخابات مكناس عن الانتخابات التي تحسمها البرامج؟
من الصعب القول إن الناخب المكناسي لا يهتم بالبرامج إطلاقاً؛ فهذا سيكون تبسيطاً غير دقيق. لكن التجربة الانتخابية المحلية تشير إلى أن البرنامج وحده لا يكفي للفوز.
فالانتخابات التشريعية في دائرة مثل مكناس تُخاض في جزء كبير منها على أساس ما يمكن تسميته بـ”رأس المال الانتخابي المحلي”: معرفة المرشح بالمدينة والجماعات، شبكة العلاقات الشخصية، الحضور في الأحياء، علاقته بالمنتخبين المحليين، قدرته على التواصل المباشر، والقدرة على تحويل التعاطف إلى تصويت فعلي.
وتزداد أهمية هذا العامل عندما تكون نسبة المشاركة محدودة. ففي 2021، كان الفارق بين المرشحين الأوائل كبيراً نسبياً، فيما حصلت أحزاب أخرى على أعداد محدودة من الأصوات؛ وهو ما يعني أن امتلاك قاعدة انتخابية منظمة ومركزة جغرافياً يمكن أن يكون أكثر أهمية من امتلاك شعبية عامة غير منظمة.
وهناك أيضاً عامل آخر: الانتخابات التشريعية في مكناس تحمل بعض خصائص الانتخابات الجماعية. الناخب قد يصوت للمرشح الذي يعرفه شخصياً، أو الذي يرتبط به اجتماعياً أو مهنياً أو عائلياً، أو الذي يراه قادراً على الترافع عن منطقته، أكثر مما يصوت بالضرورة بناء على البرنامج الوطني للحزب.
وهذا لا يعني أن هناك بالضرورة ممارسات غير قانونية؛ وإنما يعني أن التصويت الشخصي والمحلي وشبكات التعبئة لها وزن كبير في السلوك الانتخابي.
عبد الله بوانو: رهان العودة
يبقى عبد الله بوانو أكثر الأسماء إثارة للانتباه في انتخابات مكناس.
الرجل يمتلك تجربة برلمانية وسياسية طويلة، كما أن اسمه مرتبط تاريخياً بالعدالة والتنمية في مكناس. وهذه ميزة كبيرة، لأن المرشح الذي يمتلك اسماً معروفاً لا يبدأ حملته من الصفر.
قوة بوانو الأساسية تكمن في الخبرة، والقدرة على التواصل السياسي، ومعرفة خريطة مكناس الانتخابية، وامتلاك تجربة سابقة في المنافسة على المقاعد البرلمانية.
لكن نقطة ضعفه الأساسية تكمن في أداء حزبه في انتخابات 2021. فقد حصل الحزب على 7,459 صوتاً فقط، مقارنة بـ29,425 للاستقلال و28,336 للأحرار.
لذلك فإن السؤال بالنسبة لبوانو ليس هل هو معروف؛ بل هل يستطيع إعادة بناء الشبكة الانتخابية التي جعلت العدالة والتنمية قوة انتخابية كبيرة في مكناس في مراحل سابقة؟
إذا نجح في ذلك، فقد يتحول من مرشح يدافع عن مقعده إلى أحد مفاجآت الانتخابات.
أحمد الطاهري: قوة الحزب أم قوة الشبكة الشخصية؟
التجمع الوطني للأحرار يدخل الانتخابات بأحمد الطاهري، في محاولة للحفاظ على موقع الحزب المتقدم في مكناس. وقد أعلن الحزب رسمياً تزكيته للطاهري ضمن لوائحه بجهة فاس-مكناس.
قوة الطاهري الأساسية هي أنه يتحرك داخل حزب استطاع أن يحتل المركز الثاني في مكناس في 2021، بفارق ضئيل عن الاستقلال.
كما أن موقع الحزب في المشهد الحكومي يمنحه قدرة على تقديم خطاب يرتبط بالتدبير والإنجاز.
لكن التحدي هو أن قوة الحزب وطنياً لا تتحول آلياً إلى أصوات شخصية للمرشح.
فالمنافسة في مكناس تحتاج إلى شبكة محلية قادرة على التعبئة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي بالنسبة للطاهري سيكون: هل يستطيع أن يحول قوة الأحرار التنظيمية إلى قوة انتخابية شخصية في الدائرة؟
إذا كان الجواب نعم، فإنه يبقى من أبرز المرشحين للمقاعد الستة.
حسن اليمني: رهان الاستقلال على الامتداد المحلي
يخوض حزب الاستقلال الانتخابات بحسن اليمني، وهو برلماني ورئيس جماعة سيدي سليمان مول الكيفان، ويعتمد الحزب على خبرته الميدانية وقربه من قضايا الجماعات الترابية والعالم القروي.
ميزة اليمني الأساسية هي الامتداد المحلي خارج مركز المدينة.
وهذه نقطة مهمة جداً في دائرة مكناس، لأن المنافسة لا تُحسم فقط داخل المجال الحضري. فالمرشح الذي يستطيع بناء شبكة في الجماعات والمناطق المحيطة يمكنه الحصول على خزانات انتخابية مهمة.
كما يستفيد اليمني من الإرث الانتخابي القوي لحزب الاستقلال في مكناس، الذي تصدر نتائج 2021.
لكن نقطة الضعف المحتملة هي أن جزءاً من قوة الاستقلال في 2021 كان مرتبطاً بشخص عبد الواحد الأنصاري، الذي تصدر النتائج آنذاك. وبالتالي لا يمكن افتراض أن جميع أصوات 2021 ستنتقل تلقائياً إلى المرشح الجديد.
عبد القادر البريكي: الاستمرارية كسلاح انتخابي
يملك عبد القادر البريكي ميزة لا تتوفر بالضرورة لجميع منافسيه: الاستمرارية.
فهو كان مرشح الحركة الشعبية في 2021، وحصل الحزب آنذاك على أكثر من 22 ألف صوت، محتلاً المرتبة الثالثة.
الاستمرارية في الانتخابات المحلية مهمة جداً، لأنها تسمح للمرشح بالحفاظ على العلاقات التي بناها خلال السنوات السابقة، وعدم البدء من الصفر.
قوة البريكي تكمن إذن في التجربة والشبكة ومعرفة الخريطة الانتخابية.
أما ضعفه فيتمثل في أن الحفاظ على المقعد يحتاج إلى المحافظة على نفس مستوى التعبئة تقريباً، في وقت يمكن أن تتغير فيه التحالفات المحلية وتتوزع الأصوات على مرشحين جدد.
عباس الومغاري: رئيس الجماعة يدخل اختباراً انتخابياً كبيراً
يمثل حزب الاتحاد الدستوري
فهو رئيس مجلس جماعة مكناس، وله تجربة طويلة في تدبير الشأن المحلي، كما سبق له أن شغل مهمة برلمانية.
قوته الأساسية واضحة: الموقع المحلي، الخبرة، المعرفة بشبكة المنتخبين والفاعلين.
لكن هذه القوة نفسها قد تصبح نقطة ضعف.
فالمرشح الذي يتولى مسؤولية تدبير مدينة لا يترشح فقط باسمه وحزبه؛ بل يصبح سجله في التدبير موضوعاً للتقييم.
وبعبارة أخرى، يستطيع الومغاري أن يقول للناخب: “أنا أعرف مشاكل المدينة”، لكن الناخب يستطيع في المقابل أن يسأله: “وماذا فعلت عندما كنت في موقع المسؤولية؟”
لذلك ستكون حصيلة تدبير الجماعة أحد أهم العوامل التي ستؤثر في تقييمه.
أناس الأنصاري: محاولة بناء بديل داخل الأصالة والمعاصرة
يمثل أناس الأنصاري حزب الأصالة والمعاصرة.
الحزب حصل في 2021 على أكثر من 10 آلاف صوت، وكان ضمن الأحزاب الستة التي حصلت على مقاعد بمكناس.
ومن نقاط قوة الأنصاري أن ترشيحه يأتي في سياق سياسي محلي يعرف فيه الحزب بعض الفاعلين، كما تشير المعطيات المنشورة إلى ارتباطه بعائلة لها حضور في المشهد السياسي المحلي.
لكن التحدي أمامه هو تحويل اسم الحزب والحضور العائلي أو الاجتماعي إلى شبكة انتخابية شخصية واسعة.
وإذا استطاع رفع رصيد الحزب بشكل واضح مقارنة بـ2021، فإنه يمكن أن يحافظ على موقع الأصالة والمعاصرة ضمن دائرة المنافسة على المقاعد الستة.
محمد بختاوي: هل يستطيع اليسار اختراق الحاجز الانتخابي؟
يقود محمد بختاوي لائحة حزب التقدم والاشتراكية.
المشكلة بالنسبة له ليست في غياب الخطاب السياسي أو البرنامج؛ وإنما في الحجم الانتخابي التاريخي للحزب في الدائرة.
ففي انتخابات 2021 حصل التقدم والاشتراكية على نسبة محدودة جداً من الأصوات في مكناس، مقارنة بالأحزاب الستة التي حصلت على المقاعد.
وهنا تظهر خصوصية الانتخابات المكناسية مرة أخرى: البرنامج السياسي قد يكون مقنعاً لشريحة من الناخبين، لكن الوصول إلى المقعد يحتاج إلى شبكة تعبئة قادرة على تجاوز عتبة انتخابية مرتفعة نسبياً.
قوة بختاوي ستكون في قدرته على استقطاب الناخبين الذين يبحثون عن بديل للأحزاب الكبرى.
أما نقطة ضعفه الأساسية فهي ضعف الخزان الانتخابي التقليدي للحزب.
عمر الركزي: الاتحاد الاشتراكي أمام اختبار التنظيم
يقود عمر الركزي لائحة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
الحزب يمتلك تاريخاً سياسياً عريقاً، لكن التاريخ الوطني للحزب لا يكفي وحده في دائرة انتخابية تقوم بدرجة كبيرة على الحضور المحلي.
قوة الركزي يمكن أن تأتي من استعادة جزء من الناخبين اليساريين والاتحاديين التقليديين، إضافة إلى الأصوات الاحتجاجية.
لكن التحدي الأكبر هو التنظيم والتعبئة.
فإذا بقي التصويت اليساري موزعاً بين الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وتحالف اليسار، فإن فرص كل لائحة على حدة تصبح أصعب.
عبد الوهاب البقالي: خطاب سياسي قوي أمام معادلة انتخابية صعبة
يقود عبد الوهاب البقالي تحالف اليسار في مكناس، وقد أعلن التحالف رسمياً ترشيحه لهذه الدائرة.
ويمتلك البقالي تجربة محلية، وهو ما يمنحه معرفة بالمدينة وبجزء من الناخبين.
لكن مشكلته الأساسية ليست في وضوح الخطاب السياسي، وإنما في تحويل الحضور السياسي إلى كتلة انتخابية مركزة.
وهذا تحدٍ يواجه اليسار عموماً في مكناس: تعدد اللوائح والمرجعيات اليسارية يؤدي إلى تشتيت الأصوات، في حين أن المنافسين الكبار يدخلون عادة بخزانات انتخابية أكثر تركيزاً.
خالد الزوين: رهان الوجه المهني
يقود خالد الزوين لائحة حزب الوسط الاجتماعي، ويقدم الحزب لائحته في إطار حضور مهني يضم شخصيات من مجالات مختلفة.
الميزة هنا هي محاولة تقديم وجه غير تقليدي نسبياً.
لكن الانتخابات لا تكافئ بالضرورة الكفاءة المهنية وحدها.
فالمرشح المهني يحتاج إلى وقت وشبكة وعلاقات وقدرة على التعبئة، خصوصاً عندما يواجه أسماء لها سنوات طويلة في العمل السياسي والمحلي.
لذلك فإن نقطة القوة هي إمكانية تقديم صورة مختلفة، بينما نقطة الضعف هي محدودية الخزان الانتخابي التقليدي للحزب.
أمين شرفي: المقاول في مواجهة السياسيين التقليديين
اختار حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية المقاول أمين شرفي وكيلاً للائحته بمكناس.
يمكن أن يشكل ذلك نقطة قوة إذا استطاع تقديم نفسه باعتباره وجهاً جديداً، قريباً من عالم المقاولة والاقتصاد وليس من السياسة التقليدية.
لكن نقطة الضعف واضحة أيضاً: الانتخابات المحلية تحتاج إلى شبكة، والشبكة تحتاج إلى سنوات من العمل الاجتماعي والسياسي.
ومن هنا ستكون قدرة شرفي على بناء التعبئة أهم من خطابه الانتخابي وحده.
عمر المطالسي وإدريس الهنزي وبقية اللوائح
توجد أيضاً لوائح أخرى، من بينها عمر المطالسي عن حزب البيئة والتنمية المستدامة، وإدريس الهنزي عن الحزب المغربي الحر، إلى جانب عدد من اللوائح الأخرى.
وجود هذه اللوائح مهم لأنه يزيد من تجزئة الأصوات، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميعها تدخل المنافسة الفعلية على المقاعد.
في انتخابات مثل مكناس، قد يكون لبعض اللوائح تأثير أكبر من حجمها الانتخابي النهائي، لأنها تستطيع سحب أصوات من قاعدة اجتماعية أو جغرافية معينة، وبالتالي تغيير ترتيب المرشحين الكبار.