لم تعد المقارنة بين المدن المغربية تقتصر على عدد المشاريع المبرمجة أو الاعتمادات المالية المرصودة، بل أصبحت تقاس أيضاً بمدى حضور هذه المشاريع في الواقع، وبوتيرة إخراجها إلى حيز الوجود، وبقدرة المسؤولين على تقديم حصيلة ملموسة للرأي العام. وفي هذا السياق، يبرز سؤال يستحق النقاش في مدينة مكناس: لماذا يبدو حضور تدشينات المشاريع الكبرى بالمدينة محدوداً، مقارنة بما تعرفه مدن مغربية أخرى من دينامية في إطلاق المشاريع المهيكلة وافتتاح المرافق العمومية؟

إن المتتبع للمشهد التنموي بمكناس يلاحظ أن المدينة لا تعاني فقط من تحدي إنجاز المشاريع، بل تواجه أيضاً إشكالية ضعف إبراز المنجزات، وغياب مشهد تنموي متواصل يشعر معه المواطن بأن مدينته تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها مدن أخرى.
ففي الوقت الذي تشهد فيه بعض المدن المغربية إطلاق مشاريع كبرى في مجالات النقل والصناعة والتجهيزات الرياضية والسياحة، تظل مكناس في حاجة إلى مشاريع ذات وقع مباشر على الحياة اليومية للساكنة، وإلى برنامج واضح يجعل التنمية ملموسة وليس مجرد اتفاقيات وتصريحات.
ولا يعني ذلك أن مكناس خالية من المشاريع. فقد شهدت سنة 2025 تدشين مرافق اجتماعية، من بينها إعادة تأهيل مركز الاتحاد الوطني لنساء المغرب باستثمار تجاوز 3.3 ملايين درهم، إلى جانب افتتاح مركز للتفتح لفائدة الشباب بتولال بكلفة 2.8 مليون درهم.
كما صادق مجلس جهة فاس مكناس في يونيو 2026 على مشروع الملعب الكبير بمكناس، بغلاف مالي يقارب 600 مليون درهم، بمساهمة عدة شركاء مؤسساتيين. وهو مشروع مهم، لكن المصادقة على التمويل والاتفاقيات لا تعني أن المنشأة أصبحت جاهزة للاستعمال.
إن مسؤولية تقديم الحصيلة لا تقع على مؤسسة واحدة، بل تتوزع بين الجماعة الترابية، ومجلس الجهة، والسلطات الإقليمية، والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، كل حسب اختصاصاته ومساهمته في المشاريع.
لكن المجلس الجماعي، باعتباره مؤسسة منتخبة يفترض أن تكون قريبة من انتظارات المواطنين، مطالب بتقديم توضيحات حول حصيلته، والمشاريع التي ساهم في إنجازها، وتلك التي لا تزال حبيسة البرمجة أو الاتفاقيات.
فالتنمية ليست صورة تذكارية خلال حفل تدشين، ولا بلاغاً إخبارياً يعلن عن مشروع جديد، وإنما هي أثر اقتصادي واجتماعي وعمراني يلمسه المواطن في حياته اليومية.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم على مختلف المتدخلين في الشأن المحلي بمكناس هو: هل تعاني المدينة من نقص المشاريع، أم من بطء تنفيذها، أم من ضعف التواصل بشأنها؟ أم أن الإشكالات الثلاثة تجتمع لتجعل مكناس أقل حضوراً في المشهد التنموي الوطني؟
مكناس لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بقدر ما تحتاج إلى مشاريع تنجز في آجالها، وتدشينات تعكس واقعاً تنموياً حقيقياً، وحصيلة قابلة للمساءلة والمقارنة.
