لم تعد الأزمة المناخية مجرد قضية علمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة أو تزايد الفيضانات والجفاف وحرائق الغابات، بل أصبحت مرآة لاختلالات اقتصادية وسياسية عميقة، تكشف عن تفاوت صارخ في توزيع المسؤوليات والأضرار بين سكان العالم. هذا ما يضعه تقرير منظمة أوكسفام الجديد، الصادر في 27 أكتوبر 2026، تحت عنوان «الفجوة في مواجهة الكوارث: كيف يعمق الاضطراب المناخي اللامساواة ويثري قلة من الناس»، أمام الرأي العام الدولي.

التقرير يطرح مفارقة تستحق التوقف عندها: الفئات الأكثر ثراءً في العالم تساهم بنصيب غير متناسب في الانبعاثات الكربونية، بينما تتحمل الفئات الفقيرة والدول الأقل مساهمة في التلوث النصيب الأكبر من تداعيات التغير المناخي.
وتكشف الأرقام عن حجم هذه المفارقة؛ إذ ينتج أغنى 0.1 في المائة من سكان العالم، أي حوالي ثمانية ملايين شخص، انبعاثات تفوق ما ينتجه أفقر 3.5 مليارات إنسان مجتمعين. كما أن أغنى 1 في المائة مسؤولون عن 20 في المائة من الاحترار العالمي منذ سنة 1990. وهي معطيات تجعل من الصعب الاستمرار في اختزال المسؤولية البيئية في سلوك المواطن الفردي، دون مساءلة الأنماط الاقتصادية والاستثمارية الكبرى.
لكن الجانب الأكثر إثارة في التقرير لا يتعلق فقط بمن يلوث الكوكب، بل بمن يستفيد اقتصادياً من تداعيات هذا التلوث. إذ يسلط الضوء على ظاهرة يمكن وصفها بـ«اقتصاد الكوارث»، حيث توجد شركات واستثمارات تحقق أرباحاً من الصناعات الملوثة، وفي الوقت نفسه تستفيد من أنشطة الاستعداد للكوارث وإعادة الإعمار والتعافي منها.
ويشير التقرير إلى أن سوق التعافي من الكوارث مرشح للارتفاع من 70 مليار دولار إلى 92 مليار دولار سنوياً بحلول 2029. كما يرصد 217 شركة تنشط في قطاعات مرتبطة بتفاقم الأزمة المناخية أو بالاستعداد للكوارث والتعافي منها. وهنا يبرز سؤال أخلاقي وسياسي: هل يمكن أن تتحول الكارثة المناخية إلى فرصة استثمارية بالنسبة إلى البعض، بينما تتحول إلى مأساة اجتماعية بالنسبة إلى ملايين المتضررين؟
إن هذا التناقض يضع مفهوم العدالة المناخية أمام اختبار حقيقي. فالأثرياء يمتلكون القدرة على تأمين ممتلكاتهم والانتقال إلى مناطق أكثر أماناً وامتصاص الخسائر، بينما يجد الفقراء أنفسهم أمام منازل مدمرة ومحاصيل ضائعة ومصادر رزق مهددة، دون إمكانات كافية لإعادة بناء حياتهم. ويشير التقرير إلى أن الوفيات الناجمة عن الفيضانات ترتفع سبع مرات في البلدان الأكثر تفاوتاً في توزيع الثروة.
وتزداد هذه المفارقة حدة عندما ننظر إلى دول الجنوب، خصوصاً إفريقيا، التي تواجه تحديات الجفاف والتصحر والضغط على الموارد المائية والأمن الغذائي، في وقت لا تزال فيه مساهمتها التاريخية في الانبعاثات العالمية محدودة مقارنة بالقوى الاقتصادية الكبرى.
بالنسبة إلى المغرب، لا ينبغي التعامل مع هذه المعطيات باعتبارها نقاشاً بعيداً عن واقعنا. فالتحديات المرتبطة بندرة المياه وتراجع الموارد الزراعية وموجات الحرارة والفيضانات تجعل العدالة المناخية قضية تنموية واجتماعية بامتياز. كما أن الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر لا ينبغي أن يتحول إلى مجال جديد لتعميق الفوارق، بل يجب أن يضمن استفادة الفئات الهشة والمناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر البيئية.
ومن هنا تبرز مسؤولية السياسات العمومية في ربط الاستثمار الأخضر بالعدالة الاجتماعية، وضمان تمويل التكيف المناخي، وتوجيه المشاريع نحو المناطق الأكثر هشاشة، وإشراك المجتمع المدني والخبراء والإعلام في مراقبة تنفيذ الالتزامات المناخية.
وتأتي أهمية هذا التقرير في توقيته، قبيل انعقاد مؤتمر المناخ COP31 بتركيا، حيث يعود النقاش حول تمويل المناخ ومسؤولية الدول الصناعية والاقتصادات الكبرى تجاه دول الجنوب. فالمطلوب لم يعد مجرد إعلان التزامات جديدة، وإنما الانتقال من دبلوماسية الوعود إلى دبلوماسية الإنصاف، ومن تمويل قائم على القروض إلى دعم منصف لا يزيد مديونية الدول المتضررة.
إن حماية البيئة لا يمكن أن تنجح في ظل اقتصاد يسمح للبعض بتجميع الأرباح من الأنشطة الملوثة، ثم الاستفادة من إعادة بناء ما دمرته الكوارث، بينما تترك المجتمعات الفقيرة وحدها في مواجهة الخسائر.
إن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه في COP31 ليس فقط كيف ننقذ الكوكب، بل من يتحمل تكلفة إنقاذه؟ ومن يملك سلطة اتخاذ القرارات؟ وهل ستظل دول الجنوب مجرد متلقية للمساعدات، أم ستصبح شريكاً فعلياً في صناعة القرار المناخي العالمي؟