عبد المجيد بوشنفى
ليست العلاقات المغربية الإسبانية مجرد علاقة بين دولتين جارتين يفصل بينهما مضيق جبل طارق، بل هي علاقة مثقلة بالتاريخ، وبذاكرة لم تُغلق كل ملفاتها بعد.
واليوم تجد إسبانيا نفسها أمام امتحان حقيقي: هل تستطيع أن تنظر إلى تاريخها مع المغرب بعيون الحاضر، أم ستظل أسيرة قراءة انتقائية للماضي؟
فإسبانيا التي عاشت تجربة استعمارية في شمال المغرب وفي الصحراء، وخاضت مواجهات عسكرية دامية، من حرب تطوان إلى حرب الريف، لا يمكنها أن تتعامل مع التاريخ وكأنه صفحة منفصلة عن حاضر العلاقات بين البلدين. حرب 1859-1860 انتهت بمعاهدة واد راس، وشكلت إحدى المحطات الكبرى في التوسع الإسباني بالمغرب.
ثم جاء نظام الحماية سنة 1912، لتدخل العلاقات مرحلة جديدة، كانت فيها إسبانيا قوة استعمارية في شمال المغرب ومناطق أخرى. وكانت معركة أنوال سنة 1921 واحدة من أبرز محطات المقاومة المغربية ضد الوجود الإسباني.
لكن الامتحان اليوم لا يتعلق فقط بما حدث قبل قرن. إنه يتعلق أيضاً بسبتة ومليلية، وبالصحراء، وبكيفية قراءة إسبانيا لإرثها الاستعماري.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه مدريد أن سبتة ومليلية جزء من التراب الإسباني، يواصل المغرب طرح قضية السيادة عليهما باعتبارها قضية مرتبطة بالتاريخ والجغرافيا. وقد رفضت الخارجية الإسبانية مؤخراً المطالب المغربية بشأن المدينتين، مؤكدة أنهما جزء من إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً : كيف يمكن لإسبانيا أن تدافع عن قراءة معينة للتاريخ عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، بينما تعترف في الوقت نفسه بأن وجودها في الصحراء كان وجوداً استعمارياً انتهى سنة 1976؟
هذا التناقض الظاهري يضع مدريد أمام مسؤولية تاريخية وسياسية، خصوصاً أن ملف الصحراء نفسه ما زال حاضراً في علاقاتها مع المغرب. كما أن قرار البرلمان الإسباني الأخير المتعلق بجنسية الصحراويين المولودين خلال الإدارة الإسبانية أعاد إلى الواجهة مسؤولية إسبانيا التاريخية عن تلك المرحلة.
والأخطر أن التاريخ لم يعد مجرد مادة للباحثين والمؤرخين؛ فقد عاد إلى الشارع والسياسة والحدود.
أزمة سبتة الأخيرة سنة 2026 أظهرت مرة أخرى مدى هشاشة العلاقة عندما تتداخل الهجرة مع السيادة والأمن والذاكرة التاريخية. لذلك فإن امتحان إسبانيا الحقيقي ليس في كيفية حماية حدودها فقط، وإنما في كيفية إدارة ذاكرتها التاريخية مع المغرب.
فالمغرب لم يعد ذلك البلد الذي كانت إسبانيا تتعامل معه من موقع القوة الاستعمارية. والمغرب اليوم قوة إقليمية لها علاقات استراتيجية مع أوروبا وإفريقيا، وتملك أوراقاً مؤثرة في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والتجارة.
ومن هنا، فإن المستقبل يحتاج إلى شيء أكبر من البيانات الدبلوماسية، يحتاج إلى مصالحة مع التاريخ، وإلى قراءة متوازنة للماضي، وإلى شجاعة سياسية في معالجة الملفات التي ظلت معلقة بين البلدين.
فالتاريخ لا يختفي عندما نتجاهله، بل يعود كلما اعتقدنا أننا أغلقنا صفحته. وإسبانيا اليوم أمام امتحان: هل تريد علاقة استراتيجية حقيقية مع المغرب، أم علاقة تحكمها ذاكرة استعمارية لم تتم تسوية كل أسئلتها ؟.