جينالوجيا النسق والاختلاف: تفكيك الأصل وبناء الأفق

صدر هذا الكتاب عن عالم الكتب الحديث بالأردن؛ وقد تزامن الانتهاء من تصفيفه وتنسيقه مع وفاة أختي فاطمة الأزدي، حارسة ذكرياتنا العائلية، لذلك وتكريما لروحها، وضعت صورتها فوق صفحة الغلاف الأولى إلى جانب صورة فردنن ده صوسير الذي شكل واحدا من مراجعها وهي تنجز بحثا حول المعجم في ألف ليلة وليلة؛ كما ارتأيت أن أهدي روحها هذا المجهود العلمي الذي شكل ثمرة أعوام ذوات العدد.
إذ تشكل المداخلات القائمة بين دفتي هذا الكتاب واحدا من المراجع التي اشتغلنا بها ومنها وعليها مع طلبة مسلك الدراسات العربية (التكوين الأساسي وماستر النقد العربي القديم وتكوين الدكتوراه) بجامعة القاضي عياض، ابتداء من الموسم الجامعي 2012 إلى حدود عام 2024. ومن المعروف في تاريخ الفكر اللساني، أن اسم فردنن ده صوسير ظل وثيق الصلة بلحظة التأسيس البنيوي، كما لو أنّ الدرس قد أغلق أفقه وحدّد معناه النهائي. غير أنّ هذا الكتاب ينطلق من فرضيتين مغايرتين: أولاهما أن الدرس اللساني الحديث لا يرتبط فقط بمساهمات ده صوسير، وهو ما يفيد عدم تناسي إسهامات بودوان ده كورتناي وشارل صندرس بورس؛ وثانيتهما، مقتضاها ألا وجود لصوسير واحد، بل لصوسيرات متعددين تتنازعهم القراءات، وتتقاطع داخلهم المخطوطات، وتتباين فيهم زوايا النظر بين النسق والاختلاف، بين القيمة والتاريخ، بين العلامة وسياساتها الضمنية. من هنا يأتي عنوان صوسير ضد صوسير لا بوصفه مفارقة بل بوصفه استراتيجية قراءة، تكشف التوتر الخلّاق الكامن في قلب المشروع الصوسيري ذاته.
لا يقدّم هذا العمل عرضاً تاريخياً جديداً، ولا إعادة تلخيص لمدوّنة مألوفة، بل يمارس مساءلة تأسيسية تنبش في جينالوجيا المفاهيم: كيف تشكّل مفهوم النسق؟ كيف أُنتج الاختلاف بوصفه شرطاً للمعنى؟ وكيف تحوّل النص الصوسيري من حدث إبستمولوجي إلى مرجعية مدرسية؟ عبر العودة إلى الأرشيف، وإلى التوتر بين المخطوط والمنشور، وبين القراءة البنيوية وقراءاتها النقدية اللاحقة، يفتح الكتاب أفقاً يعيد التفكير في الأصل لا كمنبع صافٍ، بل كساحة صراع تأويلي دائم.
بهذا المعنى، يقترح الكتاب إعادة وضع صوسير داخل سيرورة فكرية لم تكتمل بعد، أَنَّى يغدو النسق سؤالاً مفتوحاً لا بنية مغلقة، ويغدو الاختلاف مبدأً مولِّداً لا مفهوماً مُستهلَكاً. إنّه عمل يراهن على تحرير المشروع الصوسيري من اختزالاته، ويستدعي قارئاً مستعداً للدخول في ورشة إعادة تأسيس، حيث لا يكون التفكير في صوسير عودةً إلى الماضي، بل عبوراً نحو أفق لم يُحسم بعد.
ينطلق هذا الكتاب من قناعةٍ إبستمولوجية مفادها أنّ المشروع الذي دشّنه فردنن ده صوسير لم يُستنفد بعد، وأنّ ما استقرّ في الوعي الأكاديمي تحت اسم البنيوية ليس سوى إحدى صِيَغه الممكنة، بل ربما أكثرها استقراراً وأقلّها قلقاً. لذلك لا يتعامل هذا العمل مع صوسير بوصفه مؤسِّساً مُنجَزاً، بل بوصفه لحظةً نظرية متوتّرة، مفتوحة على احتمالات لم تُفكَّر بما يكفي، وعلى أسئلة أُغلِقت قبل أن تستنفد طاقتها النقدية. ومن هنا يغدو عنوان: صوسير ضد صوسير إعلاناً عن قراءةٍ تنقّب داخل النص الصوسيري ذاته، بحثاً عن انشقاقاته الداخلية، وتعدّد صِيَغه، وتوتّره البنيوي بين النسق والاختلاف.
لا يكتفي الكتاب بإعادة ترتيب المعطيات المعروفة أو تلخيص المواقف الكلاسيكية؛ بل يباشر تفكيكاً جينالوجياً للمفاهيم المركزية التي شكّلت قلب النظرية: النسق، القيمة، المحايثة، الدليل، الاعتباطية، التزامن والتعاقب. فالنسق لا يُفهم هنا كجهازٍ مغلق مكتفٍ بذاته، بل كنتاجٍ تاريخي لصراع تأويلي وتحوّل في زاوية النظر. والاختلاف لا يُختزل في وظيفة تمييزية داخل بنية ثابتة، بل يُستعاد بوصفه مبدأً مولِّداً للمعنى، ومحرّكاً لتحوّل الموضوع ذاته. بهذا المعنى، يتجاوز الكتاب القراءة المدرسية التي كرّست صورةً متجانسة لصوسير، ليكشف عن دينامية فكرية تظلّ في طور التشكّل….

عبد الجليل الأزدي
باحث أكاديمي

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *