لم يكن يُنظر إلى الأحزاب السياسية، خصوصاً التاريخية منها، باعتبارها مجرد آلات انتخابية تشتغل عند اقتراب موعد الاقتراع. كانت في زمن سابق مدارس للتكوين السياسي، وأطرًا للتأطير والنقاش، وفضاءات لإنتاج الأفكار وصناعة النخب. أما اليوم، فإن سؤالاً محرجاً يفرض نفسه: ما الذي جعل أحزاباً ذات تاريخ ورصيد نضالي تتحول، في نظر جزء من المواطنين، إلى ما يشبه الدكاكين الانتخابية؟
المسألة ليست وليدة موسم انتخابي واحد. فقد سبق لباحثين في الشأن الحزبي المغربي أن وصفوا تراجع التأطير اليومي للمواطنين وتحول بعض الأحزاب إلى نشاط موسمي لا يظهر إلا عند الانتخابات. كما تشير دراسات حديثة إلى أن ضعف تجديد النخب وتراجع التأطير السياسي ساهما في أزمة الثقة في العمل الحزبي.
أول أسباب هذا التحول هو موت السياسة داخل عدد من التنظيمات. فحين يتراجع النقاش الفكري، وتضعف الاجتماعات المفتوحة، وتختفي الخلايا والقطاعات والواجهات الاجتماعية، يصبح الحزب مجرد عنوان إداري وهيكل انتخابي. وحين لا يكون للحزب حضور بين الانتخابات، يصبح حضوره أثناء الانتخابات أقرب إلى حملة تجارية تبحث عن الزبون، لا إلى تنظيم سياسي يبحث عن إقناع المواطن بمشروع مجتمعي.
ثم جاءت شخصنة العمل الحزبي لتعمق الأزمة. فبدل أن يكون الحزب مؤسسة تنتج القيادات، أصبحت بعض التنظيمات تدور حول أسماء ووجوه محددة، حتى أصبح السؤال أحياناً: “من هو المرشح؟” بدل “ماذا يقترح الحزب؟”. وهذه الشخصنة تضعف المؤسسة وتقتل التداول الداخلي وتمنع بروز أجيال جديدة من السياسيين.
والأخطر أن البرنامج الانتخابي فقد جزءاً من قيمته السياسية. فالمواطن يسمع تقريباً الوعود نفسها: تحسين التعليم، إصلاح الصحة، خلق فرص الشغل، محاربة الفساد، دعم الاستثمار، وتقليص الفوارق الاجتماعية. وهي قضايا ضرورية بلا شك، لكن المشكلة تبدأ عندما تتشابه البرامج إلى درجة يصعب معها على الناخب أن يعرف أين ينتهي برنامج حزب ويبدأ برنامج حزب آخر. وقد رصدت دراسات حول الانتخابات المغربية استمرار التشابه في البرامج وغياب التمايز الواضح بينها.
هنا يتحول الانتخاب من اختيار مشروع إلى اختيار شخص. وعندما تصبح العلاقة بين المرشح والناخب قائمة على النفوذ المحلي أو العلاقات الشخصية أو القدرة على استقطاب الأصوات، يتراجع الحزب باعتباره مؤسسة سياسية، ويبرز المرشح باعتباره “منتوجاً انتخابياً” مستقلاً عن الأفكار والبرامج.
ولا يمكن تجاهل المال الانتخابي باعتباره أحد العوامل التي تهدد بتحويل المنافسة السياسية من صراع حول البدائل إلى صراع حول القدرة على الإنفاق واستقطاب الأصوات. حتى داخل النقاش الحزبي نفسه برز التحذير من تأثير المال والممارسات غير المشروعة على سلامة التنافس الانتخابي.
لكن المسؤولية لا تقع كلها على الأحزاب وحدها. فهناك أيضاً تغير في المجتمع والناخب. المواطن اليوم أكثر اتصالاً بالمعلومة، وأكثر قدرة على مقارنة الوعود بالنتائج، وأقل استعداداً لتصديق الخطابات التقليدية. وفي المقابل، لم تعد الأحزاب دائماً قادرة على الوصول إلى هذا المواطن بالوسائل القديمة. ولذلك وجد كثير من الشباب أنفسهم خارج التنظيمات السياسية، يعبرون عن مواقفهم في الفضاء الرقمي أو في أشكال احتجاجية واجتماعية جديدة، بعيداً عن القنوات الحزبية التقليدية.
والنتيجة هي حلقة مفرغة: ضعف الأحزاب يؤدي إلى تراجع الثقة، وتراجع الثقة يؤدي إلى العزوف، والعزوف يضعف المنافسة البرامجية، فتزداد قيمة الشخص والمال والشبكات المحلية على حساب الفكرة.
لكن اختزال المشهد كله في عبارة “الأحزاب دكاكين انتخابية” قد يكون ظلماً حتى للأحزاب نفسها. فهناك محاولات لإعادة الاعتبار للبرامج والتعاقدات السياسية، وهناك أحزاب تقدم تصورات جديدة وتدعو إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
المطلوب، إذن، ليس فقط تغيير البرامج أو الشعارات، بل إعادة بناء الحزب من الداخل: حزب حاضر طوال السنة، لا قبل الانتخابات فقط؛ حزب يكوّن الشباب، لا يبحث عنهم في آخر لحظة؛ حزب ينتج الأفكار، لا يكتفي بتكرار المطالب؛ حزب يحاسب منتخبيه، ولا يتذكر المواطن إلا عندما يحتاج إلى صوته.
فالحزب الذي يتحول إلى دكان انتخابي لا يخسر فقط مناضليه؛ بل يخسر وظيفته الديمقراطية. وعندما تفقد الأحزاب قدرتها على إقناع المواطن بأن السياسة يمكن أن تكون طريقاً لتغيير واقعه، فإن الخطر لا يعود مقتصراً على حزب أو آخر، وإنما يمتد إلى الثقة في العملية السياسية برمتها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي عشية الانتخابات ليس: من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟ بل: من يستطيع أن يعيد للسياسة معناها، وللحزب دوره، وللبرنامج قيمته، وللمواطن سبباً حقيقياً للذهاب إلى صندوق الاقتراع؟
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون موسم فتح الدكاكين السياسية، وإنما موعداً لاختيار مشاريع قادرة على تدبير المستقبل.