ثروات بحرية مغربية: الإسفنجيات

البيئة بريس

يعتبرعلم “البيئة البحرية ” شعبة من العلوم حديثة العهد، ظهرت أوائل السبعينات من القرن الماضي عندما تمكن العلماء من الغوص في أعماق البحار الشيء الذي كان صعبا قبل ذلك بسبب عدم توفر وسائل الوصول إلى المحيط وإمكانيات اكتشاف أسراره… ورغم أن البيئة البحرية لقيت اهتماما أقل بكثير من نظيرتها الأرضية فإن الاكتشافات والبحوث العلمية كشفت عما تتميز به من وفرة في التنوع البيولوجي نتيجة لملايين السنين من التطور. وينعكس هذا التنوع البيولوجي بشكل طبيعي في التنوع الكيميائي بنفس القدر من الأهمية. وهذا هو أيضا نوعي للغاية نظرا للخصائص الفيزيائية للبيئة البحرية.

كما أنها-أي البيئة البحرية- ظلت لآلاف السنين مسرح لمعارك متواصلة من أجل البقاء بين “الفريسة” و” المفترس”، “المستعمر” و”المستعمر” لترسيخ قانون “البقاء للأقوى” في قالب من وسائل الدفاع الميكانيكية والكيميائية الفتاكة. هاته الوسائل الكيميائة هي مواد عضوية -تفرزها بعض الكائنات الحية- ذات طعم غير مستساغ أوحتى يمكنها أن تكون سامة أو نافرة تمنع تكاثر كائنات أخرى عليها، يتم نشرها وتوزيعها بسهولة في الوسط البحري فيصبح غنيا بمواد كيميائية متنوعة من أبسطها حمض الكلوريدريك أو الكبريتيك الى أعقدها تركيبا كالقلويدات، البسودوبيبتيدات أو الماكروليدات الأخرى…

ومن بين هاته الكائنات نجد الإسفنجيات التي بالرغم من أنها تعيش متبثة على الصخور إلا أنها تمتلك قدرة مذهلة على إنتاج مثل هذه المواد الكيميائية و التي تمكنها من الدفاع عن نفسها ضد أنواع الكائنات الأخرى والأخطار المتنوعة التي تهددها.

وعلى المستوى البيئي، معظم هذه الكائنات تشبه النباتات في ألوانها الزاهية وعدم حركتها، لكنها تصنف ضمن الحيوانات لأنها غير ذاتية التغذية -أي تعتمد على غيرها في الحصول على غذائها- وبالتالي لا تقوم بعملية “التمثيل الضوئي”. ومن ثم فإنها غير قادرة ، في كثير من الأحيان، على إنتاج استجابة سلوكية لعدوان ما ولكنها في المقابل، تتوفر على حماية “فيزيائية أو كيميائية”، وكذا خصائص مورفولوجية تمكنها من حماية نفسها من الحيوانات المفترسة ومسببات الأمراض. وتتميزأيضا بكونها بدائية جدا: فتكوينها بسيط، لاتمتلك أعضاء، ليس لها عيون ولا خياشيم ولا مخالب ولا قوقعة ولا حتى كماشات، ورغم ذلك استطاعت أن تتأقلم وتقاوم وتنتشر في أمكنة مختلفة.

وتعتبر الإسفنجيات شعبة من اللافقريات، وهي من أوائل الحيوانات المتعددة الخلايا التي ظهرت تقريبا 600 مليون سنة قبل الدينوصورات، تنتشر في البحار الاستوائية والقطبية وكذا في المياه العذبة، كما أن بعض الأنواع منها وجدت في الأمازون متشبثة بأغصان الأشجار.

تتغذى الإسفنجيات على بقايا الحيوانات الميتة و الطحالب المجهرية و البكتيريا المعلقة في المياه. تمضي حياتها في تصفية الماء لتحصل على غذائها بفضل المسامات أوالثقوب الجانبية الشهيقية التي تسمح بدخول الماء المحمل بالغذاء فتقوم خلايا متخصصة- تدعى الخلايا المطوقة- باصطياد المواد الاقتياتية وامتصاصها وهضمها ليتم بعد ذلك طرح الفضلات من أعلى فتحة تسمى بالفوهة الزفيرية.

لايحتوي حيوان الاسفنج على جهاز عصبي لكنه إذا ما تم تنبيه خلية فيه فإنها تنكمش لوحدها ويمتلك كذلك قدرة كبيرة على تجديد نفسه حتى ولو تم سحقه (حسب تجربة ويلسون، جالستوف وفريميت)، فخلاياه قادرة على التجمع من جديد من تلقاء نفسها لتشكيل أفراد جدد .ويتم استخدام هذه القدرات لمضاعفة إسفنج المرحاض عن طريق أسلوب يسمى التعقيل (الذي يختلف عن التعقيل عند النباتات): حيث يتم قطع الأفراد من حجم جيد ونوعية جيدة إلى أجزاء (عادة 4 أو 8)، على شكل كروي، وكل قطعة سوف تعطي فردا كاملا قادرا على أن ينمو من جديد.

غالبا ما تتوالد الاسفنجيات عن طريق التكاثر الجنسي الذي يتم عبر تلقيح الأعراس الذكرية- التي ينقلها الماء من اسفنج الى داخل اسفنج آخر مع البويضات. وبعد الإخصاب، تتكون يرقة تخرج لتسبح في الماء وتلتصق على الصخور مكونة حيوانا اسفنجيا جديدا.

في الطبيعة، وعند حدوث خطر يهدد حياتها، تستطيع الاسفنجيات نسخ نفسها لوحدها: بعض الخلايا تتجمع عل شكل برعم ينفصل هذا الأخير عن الإسفنج الأم بمسافة أبعد شيئا ما ليعطي اسفنجا جديدا متطابقا تماما معها.

استخدمت الاسفنجيات الطبيعية منذ القدم في الأغراض المنزلية للاستحمام بها وللزينة لكثرة أشكالها وتعدد ألوانها كما اهتم بها الباحثون في المجال الطبي لصناعة الأدوية وإنتاج المضادات الحيوية.

للإسنفنجيات معادلة صعبة ،تجمع بين البساطة في التكوين الجسمي والقدرة الهائلة على التعايش في أوساط مختلفة مع مقاومة الظروف البيئية، أثارت فضول العديد من العلماء لتفسيرها وكشف خباياها للتعرف على السر الذي تخبئه لنا هاته المخلوقات البحرية الغامضة.

والمغرب، بواجهتيه- الأطلسية و المتوسطية- بلد متأثر بشكل كبير بالبحر، مما يعني وجود الآلاف من الأنواع البحرية مقارنة مع بلدان أخرى وبالتالي موارد بحرية متنوعة لابد من الإشادة بها ونشر مختلف الأبحاث العلمية التي تمكن من تثمينها واستغلالها في الميادين الاقتصادية، البيئة والصحية.

(يتبع)

                                                                                 بقلم خديجة باري

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه بكلية العلوم

arykhadija@yahoo.fr

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *