آخـــر الأخبـــار

فضاءات ” تجزئة الأزهر” بالحي الحسني : بين طموح التأهيل البيئي وواقع التلوث المنسي.. هل يتحقق الحلم الأخضر؟

 

  بين استدامة المدن وتحديات الأمن الغذائي

بينما ترفع النسخة 24 لمسابقة الصحفيين الشباب لواء المناخ والأمن الغذائي: تحدٍ واحد وقضية مشتركة، تضع منطقة ” الأزهر” بمديرية الحي الحسني الشعارات العالمية على محك الاختبار الميداني. هنا، حيث تتقاطع طموحات الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة (مدن ومجتمعات محلية مستدامة) مع واقعٍ بيئي مأزوم، يبرز السؤال الجوهري: كيف تحول حزامٌ أخضر يمتد لنحو 1.5 كيلومتر من رئةٍ واعدة للأمن الغذائي المحلي إلى بؤرةٍ تُغذي الاحترار الحضري وتخنق التنمية؟ فعلى مقربة من التجمعات السكنية الكثيفة، كان من المفترض أن تكون رئةً خضراء تدعم التوازن المناخي وتوفر مساحات للزراعة الحضرية. لكن بجولة ميدانية بسيطة، يكتشف المرء أن “الواقع المر” يطغى على طموحات الاستدامة؛ إذ تحولت هذه الأراضي إلى بؤرة سوداء تهدد الصحة العامة وتساهم في الاحتباس الحراري المحلي نتيجة الممارسات العشوائية، مما يضع استراتيجيات التأهيل البيئي أمام تساؤلات حارقة.

مأساة يومية: تلوثٌ يخنُق الساكنة ويُبدد الأمان

​يشتكي القاطنون بالمجمعات السكنية المجاورة من تحول هذه الأراضي الخلاّء إلى مكبٍّ ” مفتوح ” لنفايات البناء والمخلفات المنزلية. وحسب شهادات استقيناها من عين المكان، فإن المشهد يتكرر يومياً: شاحنات تفرغ حمولتها بعيداً عن أعين الرقابة، وحرائق ليلية تُضرم في البلاستيك والأسلاك لاستخراج المعادن، مما يرسل سحباً من الدخان الخانق الذي يتسرب إلى غرف نوم الأطفال وتلاميذ المؤسسات التعليمية المجاورة.

​يقول أحد السكان بمرارة : ” لم نعد نفتح النوافذ، فالهواء مشبع برائحة الحرق، والأرض التي كنا نأمل أن تصبح حديقة عامة، صارت ملاذاً للكلاب الضالة ومجمعاً للغرباء، مما جعل المرور بمحاذاتها مغامرة غير محمودة العواقب، و خاصة بعد غروب الشمس . ” 

  

 صورة توثق جحيم الحرائق: دمار شامل للتنوع البيولوجي

   رماد الاغتيال البيئي: جحيم الحرائق يلتهم رئة الحي الحسني

​أثناء اندلاع الحرائق في هذه المنطقة، تصبح الظروف البيئية أكثر قساوة وتزداد معاناة الكائنات الحية. إن هذه الحرائق تعتبر عاملاً مدمراً يؤدي إلى:

  • ​تدمير الغطاء النباتي : القضاء على النباتات التي تعمل كممتصات طبيعية للكربون.
  • ​تدهور التربة : قتل الكائنات الدقيقة وتحويل الأرض إلى مساحة عقيمة .
  • ​تلوث الهواء والمياه: انبعاث غازات سامة تؤثر على الجهاز التنفسي للساكنة وتلوث الفرشة المائية. إن هذه الحرائق لا تجدي نفعاً، بل تلوث الهواء وتدمر عناصر النظام البيئي، مما يستوجب تحركاً عاجلاً من القاطنين والمسؤولين للحد منها.

لا تقتصر المعاناة هناك على الدخان فحسب، بل تبدأ من نوعية المواد التي يتم التخلص منها بعشوائية؛ حيث تحولت المساحات الفارغة إلى مستودع مفتوح لـ مخلفات البناء والأتربة (الهدم) التي تُغير تضاريس الأرض وتمنع نمو أي غطاء نباتي طبيعي. وبالإضافة إلى ذلك، تنتشر النفايات البلاستيكية والمطاطية بكثافة، وهي المواد الأكثر خطورة عند احتراقها، حيث تحرر غازات سامة لا تختفي من الأجواء بسهولة. كما يُلاحظ تراكم الأثاث المتلاشي والأجهزة الإلكترونية القديمة التي تحتوي على معادن ثقيلة تتسرب إلى باطن الأرض مع توالي التساقطات المطرية، مما يجعل الأرض معرضة لتسمم بيئي طويل الأمد يهدد سلامة التربة والفرشة المائية على حد سواء. 

 صورة (2)  متحف السموم: مخلفات البناء والبلاستيك تغتال تربة الأزهر

 شركات العقار والحل المُؤجَّل: بين الاستثمار والمسؤولية البيئية :

​وعلى الرغم من النداءات المتكررة لتأهيل الفضاءات المتبقية وإرساء نظام بيئي يُعيد الحياة للمنطقة، تظل مجموعة الضحى — بصفتها الحائزة على الرسم العقاري الرئيسي للمشروع والمنعش العقاري المهيمن في المحيط — غائبة تماماً عن المشهد البيئي. هذا الصمت المطبق يطرح علامات استفهام حول مدى التزام المجموعة ببنود دفتر التحملات، في وقت تتحول فيه المساحات التابعة لعقاراتها إلى نقاط سوداء بدلاً من أن تكون متنفساً أخضر يليق بساكنة حي الأزهر وفرح السلام .

فيتساءل السكان: هل تنتظر هذه الشركات اكتمال المشاريع المجاورة لرفع قيمة الأرض دون الاكتراث لما تسببه اليوم من أضرار؟ أم أن هذه المساحات ستظل رهينة الإهمال حتى تتحول إلى كارثةٍ صحية لا يُمكن احتواؤها؟

إن نشطاء البيئة يدعون هذه الجهات إلى “تحويل الأزمة إلى فرصة ” عبر تبني مفهوم الزراعة الحضرية المستدامة. فبدلاً من تركها مكباتٍ للأنقاض، يمكن استثمار هذه الأراضي – ولو مؤقتاً – لإنشاء ” مزارع تعليمية ” و”حدائق مجتمعية ” تساهم في توفير خضر وفواكه محلية للحي، مما يدعم الأمن الغذائي لساكنة المنطقة ويقلل من البصمة الكربونية الناتجة عن نقل الأغذية. إن “الأزهر” يجب أن تستعيد اسمها الحقيقي، لتكون رئةً خضراء تدعم المناخ وتغذي الإنسان، لا مقبرةً للنفايات والسموم.

 الصورة 3  خطر صامت :  برك التلوث الآسنة تتحول إلى مرتع للأمراض والأوبئة

 صرخة من قلب ” الأزهر” : قبل فوات الأوان!

بين أدخنة الحرائق التي تخنق الأنفاس، والنفايات النتنة التي تتربص بصحة الصغار، وبرك المياه الآسنة التي أصبحت مرتعاً للأوبئة، يقف السكان أمام خيار واحد: إما إنقاذ ما تبقى من كرامة البيئة، أو انتظار كارثة إنسانية لا ترحم. إن أطفالنا لا يطلبون المستحيل؛ هم فقط يريدون حقهم الفطري في “نَفَسٍ نقي” بعيداً عن سموم الإهمال. فهل ستتحرك ضمائر المسؤولين في المؤسسات قبل أن يكتب التلوث السطر الأخير في حياة هذا الحي؟ الوقت لا ينتظر.. والبيئة تحتضر!

 توصية  :

  « نوصي نحن كصحفيين شباب من أجل البيئة بتفعيل دور الشرطة البيئية في المنطقة وإلزام الشركات بتسريع مشروع الحزام الأخضر ».

المراجع المعتمدة   :

  1. أهداف التنمية المستدامة (SDGs): تقارير الأمم المتحدة 2030.
  2. ​مخطط العمل الوطني للمناخ: توجهات المملكة المغربية للحد من الاحتباس الحراري.
  3. ​المعاينة الميدانية: زيارة فريق العمل لتجزئة الأزهر (فبراير 2026).
  4. ​القانون 28.00: المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها في المغرب.

ربورتاج أنجزه تلاميذ الفريق الصحفي للثانوية التأهيلية حمان الفطواكي (الحي الحسني)، في إطار المشاركة في الدورة 24 لمسابقة الصحفيين الشباب من أجل البيئة 2025/2026 المنظمة من قبل مؤسسة محمد السادس للبيئة بشراكة مع وزارة التربية الوطنية: حمزة بمودود – أمين بلعيش – عمر الهيطوطي – ياسين واهيم بتأطير من الأستاذ: هشام قاسمي.

 

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *