رواية ״الدرس الخيميائي״ لعبد الغني سيدي حيدة: كشف علمي في حلة سردية

رواية ״الدرس الخيميائي״

لعبد الغني سيدي حيدة
كشف علمي في حلة سردية

بقلم: الناقد والكاتب والاعلامي الدكتورجواد الرامي

 البيئة بريس

 

لقد اعتاد الدارس أن يقرأ الرواية وهو على أتم الاستعداد أن يصافح مجموعة من الأحداث والوقائع ذات الصلة بما هو خيالي أو سير ذاتي أو تاريخي. أي بحسب ما ترسب لديه من أنماط الكتابة السردية التي طغت على مشهدنا الأدبي والإبداعي بفعل تراكمها الكمي والنوعي، والتي كان لها بلا شك الأثر الكبير في تفعيل أنماط تجريبية وتقنيات كتابية مختلفة. لكن قارئ رواية ” الدرس الخميائي ” للمؤلف عبد الغني سيدي حيدة يجد نفسه منذ البداية أمام رواية من صنف خاص، فهي من حيث الانتماء النموذجي ـ كما يجهر بذلك العمل ـ تنتمي إلى جنس روائي أشر صاحبه على غلافه انتماءه إلى نمط ” رواية الأطروحة ” مما يهيئ القارئ قبليا وبمجرد إمعانه النظر في وجهي الغلاف ” الأمامي والخلفي ” على الاستعداد للوقوف على أطروحة فكرية في قالب حكائي، من هنا وعند حدود هذه العتبة تتعدد الأسئلة لمن شغف بقراءة العمل، وتحمس إليه بدافع كشف هذه الأطروحة، وهي أسئلة كثيرة من قبيل: ما موضوع هذه الأطروحة ؟ ما حدود تقاطع هذه الأطروحة بين الخيالي والواقعي ؟ . وإذا كانت الأطروحة تعتمد الحجاج كأساس إقناعي فكيف يشتغل الحجاج داخل هذا الحكي السردي ؟ كيف يتفاعل السردي مع الحجاجي ؟ كيف تم نسج هذه الأطروحة في قالب سردي ؟.

لا شك أن عنوان الرواية هو الآخر يقحمنا في فضول شغف القراءة، حيث وسمها المبدع بعنوان ” الدرس الخميائي ” وهو عنوان يشي بمجموعة من السمات الدلالية التي تصب بدورها في الأطروحة موضوع الرواية. هكذا يحيل لفظ الدرس مباشرة ـ في وعينا ـ على وجود مدرس يقدم درسا لمجموعة من المتعلمين المفترضين. درس يحتاج بلا شك إلى خطة منهجية دقيقة يتواصل من خلالها المعلم مع تلامذته أو من يحاورهم، لكن المثير أكثر هو أن يكون هذا الدرس درسا خميائيا، بما تتضمنه هذه الكلمة من معنى، وبما تحيل عليه مرجعيا ( نذكر في هذا السياق رواية ” الخميائي ” لـلروائي البرازيلي ” باولوكويلو ” ) وأن يكون هذا الدرس في قالب رواية أطروحة.

 جاء في الوجه الخلفي لغلاف الكتاب توضيح من الكاتب يقرب القارئ من مقصدية هذا العمل الروائي تفاديا لأي تيه محتمل قائلا: ” لقد اختلف المؤرخون والباحثون وتباينت آراؤهم ومرجعياتهم في أصل ” تفيناغ ” ، ووقف بعضهم حائرا مبهورا أمام التشابه الموجود بين بعض حروف خط ” تفيناغ ” والحروف الهيروغليفية والإغريقية والعربية واللاتينية والعبرية وغيرها … إلا أننا نعتبر أن أبجدية ” تفيناغ ” هي وليدة شرعية لأقدم أبجدية عرفتها البشرية، ومنها اشتقت خطوط كتابتها. كيف ذلك ؟ وهل هذا كل ما يرصد له الدرس الخميائي كرواية أطروحة ؟ “.

لعل هذا الاستفهام الملغم الذي تنتهي به هذه الفقرة ، يجعلنا نطرح سؤالا مشروعا وهو هل هذه الرواية هي رواية أطروحة أم هي أطروحة متخفية في قناع روائي ؟.
دون الخوض في مسألة التجنيس وحدوده وأبعاده، وقبل الإجابة عن مجموع الأسئلة التي أثارتها عتبات الكتاب، لا بد أن نشير إلى أن رواية عبد الغني سيدي حيدة، لها طابعها الخاص على المستويين البنائي والدلالي، مادامت تمور الجمع بين السرد وقراءة الوثائق والنقائش الصخرية مستفيدة من بعض طروحات كل منهما مشكلة بذلك محاولة تجريبية تقوم على أساس غير مكرور في الكتابة الروائية بالمغرب، والذي لا تجاري فيه نموذجا معروفا في حدود علمي. وقد تكون هذه الخاصية هي التي بوأت الرواية منزلة يجد فيها القارئ والمؤرخ والباحث الأدبي والاركيولوجي ضالتهم.
تعالج الرواية إذن أطروحة علمية تدخل في صميم اختصاص البحث الأركيولوجي، مشكلة امتدادا لمجهودات الكاتب، إذ سبق وأن أصدر كتاب ” حول موقع الكور ومحيط واد الجديدة أو هل السومريون مروا من هنا ” والذي استطاع من خلاله فك شفرة الرموز الموجودة في الموقع مشكلا بذلك كشفا أثريا بالغ الأهمية كانت له انعكاساته الإيجابية. واللافت في كلا العملين مواصلة جهود الباحث في قراءة النقائش الصخرية وخاصة تلك المكتوبة بالأمازيغية، والتي أعلن من خلالها عن توجهاته وهمومه منتقيا لكل عمل صيغته الخاصة به حسب مقامه الذي يفرضه وبحسب ما يراه مناسبا.

 هكذا تعالج الرواية جانبا من موضوع حساس يكتسي أهمية كبرى، يتعلق بقراءة نقائش خط تفيناغ. والكل يعلم نوعية صعوبة قراءتها وأوجه الاختلاف بين الباحثين في قراءتها وفك شفراتها، أهي تقرأ من اليسار إلى اليمين أم من اليمين إلى اليسار أو من الأسفل إلى الأعلى. وللحسم في هذه المسألة وقف الكاتب على مجموعة من هنات الباحثين الذين يعتبرون مرجعا أساسيا في قراءة النقائش الصخرية أمثال جورج مارسي وكامبس وكالون وغيرهم، مقوما اعوجاجهم بارزا قصورهم. ليظهر للعالم من خلال رواية ” الدرس الخميائي ” اختراعه الذي دافع عنه بالأدلة والوثائق، واقفا عند أمكنة محددة ووثائق موثقة مقدما حججه من خلالها بقناعة لا غبار عليها. وقد احتلت قراءته لهذه النقائش ورسومها مساحة هامة داخل الرواية وخاصة من خلال استدلاله على قابلية قراءة النقائش من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين وبشكل دائري متحرك، فتستحيل بذلك النقيشة عند تحليلها إلى سفر مشحون بالمعطيات وخريطة مدققة لبلوغ هدف معين، منبها أن أبجدية تفيناغ هي حروف مسمارية متجهة نحو العمق (CUPULES ) وتجدر الإشارة إلى أن أغلب التحليلات شحنت الرواية وبإسهاب كبير في موضوع كان من الأولى أن يأخذ طابعا بحثيا أكاديميا، إلا أنه وبفطنة نقدية ألبسه الكاتب لبوسا سرديا وانتقل به من مجال تخصص ضيق إلى مجال أدبي أوسع. هكذا غدت الرواية درسا كما أشر على ذلك في العنوان لكنه درس خميائي، وهو القائل: ” إن الخمياء عمل جاد، إنها جدول يسقي كل العلوم ” ص 28 ” فمع الخمياء تنتفي الحدود، إنها عند الكاتب وبحسب ما يظهر من عمله هي عملية استشراف ومرجعية لكل نشاط ذهني في مجالات الإبداع والبحث في كل ضروب المعرفة ( ابتداء من النقطة والحرف والعدد والشكل وصولا إلى أدق الخرائط الفلكية والذرية بالنسبة للمختصين في المجالات العلمية الدقيقة )، فكانت روايته نقطة في بحرها، أخضع فيها كل التخمينات المرتبطة بالنقائش الصخرية لمحك العقل والمنطق والتجريب.

 وبفطنة كبرى استطاع الأستاذ الخميائي أن يقدم درسه هذا لتلامذته في شكل رواية وذلك ليس بغريب إذا علمنا مدى ولعه بالكتابة السردية وهو الذي سبق وأن أصدر روايته ” اللعنة المقدسة ” سنة 1977 ومجموعة قصصية بعنوان شرخ الجدار سنة 1988 لذلك وبحكم تملكه لناصية الكتابة السردية ” فقد عمل على دمج ما هو أثري في ما هو أدبي، أي الجانب العلمي صحبة الجانب الخيالي بل وحتى الجانب الواقعي إلى الجانب الخيالي منه.

ففي الرواية مثلا نجد مجموعة من الإحالات الدقيقة والمعروفة ضمن جغرافية المكان ” الأطلس، الهوكار، درعة، تنزولين، إفران، لبيا… ” وكذا الإحالة على مجموعة من المراجع والأبحاث في هامش بعض صفحات الرواية، إذ اعتمد بعضها كدعامة في حوار شخصيات الرواية مثل الجواب المكتوب بأحرف أمازيغية والذي شكل كلمة السر بين الضيف و ” أوتكا ” ، وهو نفسه الذي حصل بين شخصية ” أوتكا ” وشخصية أمغار . وفي السياق نفسه شيد السارد في روايته جانبا من اللغة الواصفة يستعرض فيه ما سجله من ملاحظات بخصوص رواية ورم التيه لعبد النبي كوارة، بطريقة سردية جعلته يفتح حوار مع صدى أصوات لعبت دورا حاسما في صيرورة أحداث الرواية وكأني به هنا يسعى إلى فتح هامش جديد يوثق فيه قراءته للمنجز الأدبي المذكور وتبرير سبب إنجازه لروايته الدرس الخميائي، وسر احتفاظه هو الآخر بنفس الصوت الذي يمثل سلطة عليا تملي عليه ما ينبغي تدوينه يقول الراوي. وساد الصمت للحظة، ثم عاد الصوت يتابع: ” ولي طلب هو ألا تستوقفني أثناء عملية الإملاء والكتابة، في حالة موافقتك ” ( ص 28) ولا أشك بطبيعة الحال في أن هذا الصوت هو صوت المؤلف نفسه.

 كما يجد القارئ في الرواية مجموعة من العناوين تتصدر بعض فصول الرواية مثل ” الكتابة ـ اللغز ” و ” حروف مسمارية متجهة نحو العمق وليس نحو الأسفل ” و ” حروف تستمد شرعيتها من أقدم أبجدية عرفها الإنسان ” والنقيشة المغربية ” ، وغيرها ، وجلها عناوين مباحث يمكن أن تشكل استقلالا خاصا عن الرواية واعتبارها مقالات علمية دقيقة ، وقد جاءت هذه الفصول لتتناوب مع السرد إذ مجرد أن ينتهي أحدها يستأنف الراوي حكايته أو يتممها . واللافت أن أغلب هذه الإحالات وغيرها سواء في تتابعها وتعاقبها تحتوي صورا من الحركات والأحداث شديدة الامتزاج تحد من غلواء سرعة الزمن السردي وتقلل منه، لتغرق الرواية في غواية فك الشفرات. مغلبة خطاب العارف على خطاب المتخيل. مما يجعل كل هذه العناصر الإحالية تؤسس واقعية الرواية بالرغم من محاولة الرواية إيهامنا منذ البداية بتغليب الخيال من خلال استعراض شخصيات الرواية ( سواء الرئيسية أو الثانوية ) أو من خلال نوعيات العلاقة القائمة بينها. وفي هذا الإطار حاول السارد أن يظهر أغلب شخيات روايته في شكل شخصيات تمتلك طاقة معرفية خارقة، وأمينة سر لا تبوح به، إلا أنه بفعل هذه الرقابة جعلها تتحرك في دائرة من المعقولية والصرامة وفي حيز ضيق. فلا حديث لها إلا عن الدفائن وسر الحروف وأصولها والنقائش الصخرية.

لقد جعل منها شخصيات شديدة الاتصال بموضوع الأطروحة الفكرية ولا تحيد عنه لمناقشة قضايا هامشية توسع فضاء السرد وتنتقل به إلى مجالات رحبة وحصر همها في تمرير وظيفتها المتمثلة في الدفاع عن الفكرة النواة للكتابة ولعل جل هذه الإحالات والتعامل مع الأحداث مع مراعاة جانب البرهنة في الدفاع عن صحة الفرضية يؤكد أطروحية هذا العمل الأدبي. وأقوى ما يؤكدها أيضا هيمنة النبرة التعليمية ” ملامح التلقين “على أغلب النماذج التحليلية للنقائش، بل حتى في أكثر الصيغ التعبيرية .

 هكذا إذن يقودنا السرد هنا إلى وضع اليد على حقيقة ثابتة، باعتماده لغة خاصة في الإقناع وبإحالته على عوالم واقعية يمكن التيقن منها، مع تضمنه أفكارا نقدية تجابه بصورة أساسية بعض الآراء الشائعة أو بعض قراءات النقائش المنحرفة وذلك بهدف إزالة كل الالتباسات الممكنة إستنادا إلى هذه الرؤية ووفق هذا التوجه جاءت أغلب أحداث الرواية للكشف عن الحقيقة ” تلك الحقيقة العلمية المتعلقة بتفيناغ وبالمدافن المقدسة وفك شفرات العلامات الدالة عليها المتمثلة في الكتابات المطلسمة، والتي لا يمكن لكل من هب ودب إدراك سرها. إن أغلب أحداث الرواية عبارة عن مغامرة رحلة في رحاب الكشف، يقطع فيها ” الأمغار ” مسافة من أجل استلام مفاتيح أسرار المعرفة من يد ( أوتكا)، وفي رحلته القدرية تلك يقف على علامات كثيرة، فهو كثير الانتباه ذكي يتأمل كل ما حوله، هاجسه السؤال، ومساعدة صوت خفي يملي عليه تعليمات وتوجيهات دقيقة وكأنه الموجه لشخصيته إلى أن يصل إلى مبتغاه. ووفق خطية بناء الأحداث السردية هاته. كان السرد يتوقف من حين لآخر ليفسح المجال للكاتب لتقديم أطروحته والدفاع عنها. فيغلب الخطاب العلمي وتختفي معالم الرواية، ثم يعود ثانية ليستأنف الحديث عن مغامرة ( أمغار ) بهذا الشكل تأخذ الرواية وجهين يشمل أحدها وجها سرديا ووجها آخر بحثيا، وهذا التناوب في الصياغة والتركيب أدى إلى تزاوج في الأسلوب، فحينا تتخذ الرواية شكلا أدبيا وحينا شكلا علميا، وهو ما ينعكس على باقي المكونات السردية للرواية. إن هذا التنوع داخل وحدة العمل يبين لنا أن الرواية تكونت تحت تأثير عامل الدمج و إضافة هذا لذاك. وهو ما يتيح للقارئ إمكانية مقاربتها مقاربة نوعية وفق مقياس الملاءمة، وذلك لأن الباحث الأثري سيجد فيها ضالته وربما يكون أكثر أهلية من غيره في مناقشة كثير من محتوياتها، كما سيجد فيها الباحث اللغوي الأمازيغي ما يشفي غليله وربما ما يساعد على إزالة شيء من اللبس الذي ظل عالقا فى كثير من الفرضيات والأبحاث. ومن يدري فقد يكون هذا الدرس الخميائي صالحا لكل المهتمين. لكن السؤال العالق هو هل هؤلاء على استعداد لخلق تحدي معرفي يكشف المستور والاعترف بالفضل لذويه.

فسلام على أولي الألباب

جواد الرامي

الهامش: الدرس الخميائي ” رواية أطروحة ، عبد الغني سيدي حيدة ، مطبعة الساحل الرباط ـ الطبعة الأولى 2003 .

 عنوان المراسلة:السوق الجديد الطابق الثاني رقم 4 حي اروامزين مكناس المغرب ـ الهاتف : 407 224 62  212 +البريد الإلكتروني : JAWRA67@HOTMAIL.COM 

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *