لماذا هذه الموجة من الانقلابات العسكرية في إفريقيا؟ ما غايتها؟ وما خلفيتها؟
قبل الخوض في الموضوع،لا بد من الإشارة أن الانقلابات العسكرية كيفما كان نوعها تبقى مرفوضة، و معارضة لأي فعل ديمقراطي صحيح.
فالمتأمل في المسار التاريخي لإفريقيا يلاحظ أنها تفتقد إلى الاستقرار السياسي ، فجل أنظمتها الحاكمة صنيعة تدخلات أجنبية، والجماعات الإرهابية منتشرة في القارة ،أما اقتصاديا فرغم توفرها على ثروات طبيعية، معدنية وطاقية فشعوبها تكابد الفقر والمجاعة، وما زاد من تازيم أوضاعها، التغيرات المناخية، وما نتج عنها من كوارث طبيعة كالجفاف، تراجع مواردها المائية، الشيء الذي ادى إلى أزمة غذائية و هجرة مناخية كثيفة.
والسؤال الذي تطرحه النخب المدنية، السياسية والعسكرية الإفريقية: أين تذهب ثروات وخيرات إفريقيا؟ ومن المستفيد منها ؟.
والإجابة الوحيدة / والواحدة التي يقتنع بها مختلف مشارب إفريقيا :أن ثروات إفريقيا تنهبها أنظمتها الحاكمة بتواطؤ مع القوى الكولونيالية الجديدة.
لقد أدركت تلك النخب أن الاستعمار الجديد لا يهمه سيادة الديمقراطية وحقوق الإنسان في أفريقيا ولا في أي بلد خارج إفريقيا بل كل ما ينشغل به الحفاظ على مصالحه، كما وصلت إلى قناعة أن الغنى والترف الذي تعيشه اليوم أوروبا، يأتي على حساب تفقير إفريقيا وسلبها ثرواتها المعدنية والطاقية والطبيعية.
ولا أدل على ذلك ، رأينا اليوم بعد انقلاب النيجر، كيف أن فرنسا جنت، وقام رئيسها بالتنديد والتهديد، ورفض بأن يترك سفير بلاده النيجر.
جميع المحللون أفارقة وفرنسيون يدركون أن جنون فرنسا ليس غيرة على الديمقراطية بل على ذهب و يورانيوم النيجر،وإلا كيف ستحصل فرنسا على الكهرباء؟
أليس الأمر بمحزن ومؤلم: أن الأحياء والمنازل والشوارع والمصانع الفرنسية تتوفر على الكهرباء، في حين جل أحياء وشوارع النيجر تفتقد إلى الكهرباء.؟؟؟
نفايات الاستعمار الجديد:الوجه العدواني الغربي
الاستعمار الجديد لم يكتف بنهب ثروات إفريقيا، بل حول القارة إلى مطرح ومكب لنفاياته الخطيرة التي تهدد حياة المجتمعات الإفريقية حاليا ومستقبلا.
وتقول دراسة، إن بداية نقل المخلفات الخطرة من دول العالم المتقدم إلى إفريقيا تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وذلك من خلال صفقات سرية، بين بعض الدول الإفريقية وشركات غربية، معظمها يتعلق بنقل مواد سامة تسبب أضرارا بيئية وصحية خطيرة.
وتضيف نفس الدراسة إن تكلفة دفن طن واحد من النفايات الخطرة فى أحد دول إفريقيا يكلف الدول الغنية (2.5 دولار)، في حين أن دفن الطن نفسه في أوروبا يتجاوز سعره أكثر من (250 دولارا)، وذلك بسبب ارتفاع معايير الأمان البيئي، وهو ما يمثل إغراء شديدا لتلك الدول، لتصدير تلوثها الإشعاعي إلى الدول الفقيرة، خاصة في ظل الاضطرابات السياسة المستمرة التي تعاني منها بعض الدول الإفريقية.
وتقول نرمين توفيق الباحثة في الشئون الإفريقية والمنسق العام لمركز “فاروس” للاستشارات والدراسات الإستراتيجية، إنه مع تزايد عدد المفاعلات النووية في الدول الغربية سواء الولايات المتحدة أو أوروبا التي تعتمد عليها في نشاطها الصناعي، لجأوا إلى التخلص من النفايات النووية بدفنها في الدول الفقيرة وعلى رأسها عدد من الدول الإفريقية جنوب الصحراء لعدة أسباب، منها: “أنهم لا يريدون تعريض دولهم إلى المخاطر الصحية التي تنجم عن هذه النفايات، أو احتمالية حدوث تسرب إشعاعي لها؛ لذا كان البديل لديهم هو دفنها بإفريقيا بطرق مشروعة وحتى غير مشروعة، مستغلين بعض الاتفاقيات الدولية التي تبيح دفن النفايات النووية في دول أخرى بمقابل مادي، وقد قبلت بعض الحكومات الإفريقية دفن النفايات النووية الغربية في أراضيها نظرا للأموال الكبيرة التي يحصلون عليها حتى بدون رضاء شعوبهم.
وطالبت المنظمات الإقليمية الأفريقية وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي أن يكون لها موقف حازم من كشف ممارسات دفن النفايات النووية في القارة السمراء ووقفها، وإلزام العالم بمسئولياته خصوصا الولايات المتحدة، وعلى منظمات المجتمع المدني في الدول الإفريقية التي يقوم المسئولون فيها بدفن النفايات النووية دور هام في كشف هذه الممارسات، ويجب على منظمة الطاقة الدولية أن تراقب عمليات دفن النفايات النووية في الدول الفقيرة، خصوصا وأن الإشعاعات النووية أو التسريبات لن تضر الدول التي تحدث فيها فقط وإنما يمتد أثرها ليشمل مناطق واسعة.
من جانبها، ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تقرير بعنوان “سوق النفايات النووية”، أن دولة مثل موزمبيق مصاب قرابة 39% من أطفاله بالإيدز، و33 % بسرطان الدم، تشكل جغرافية “مرفوضة” في عالم النفايات النووية التي تلقي بها الدول الصناعية الكبرى على أرضه، كما جاء في التقرير نفسه أن الدول الإفريقية التي قبلت أن تكون مكانا لاستقبال النفايات النووية الغربية تمارس شكلا من أشكال الجريمة السياسية والبيئية والاقتصادية ضد شعوبها، باعتبار أن النتيجة ستكون كارثة طبيعية ستظهر بعد عشرات السنين بشكل أكثر ضراوة وخطورة.
هكذا، إذا كان الاستعمار الجديد ينعم في ثروات إفريقيا ويفقر شعوبها، وحول القارة الإفريقية إلى مكب لنفاياته السامة والخطيرة بتواطؤ مع أنظمتها الحاكمة، أليس من حق الوطنيين الأفارقة أن يتحركوا لاسترجاع ثرواتهم واستقلالهم وسيادتهم؟ أليس من حق إفريقيا أن تنتفض، وتقول كفى من الاهانة والتحقير و الاستغلال ؟ أليس من حق إفريقيا أن تبني ذاتها بذاتها والابتعاد عن أي قوى خارجية كانت ( فرنسية، روسية، أمريكية، صينية…) ؟
إفريقيا اليوم في حاجة إلى بيئة سياسية مستقرة، وممارسات ديمقراطية حقة، ونخب سياسية شرعية، تضع خدمة الأفارقة في صلب اهتماماتها وأولوياتها.