آخـــر الأخبـــار

البرامج الحزبية الانتخابية تفتقد إلى رؤية مستقبلية ومستدامة…

فالمغرب الذي كانت موارده المائية للفرد تتجاوز 2500 متر مكعب قبل عقود، ويعيش اليوم عند حدود 620 متراً مكعباً تقريباً، لا يمكن أن يُدار بعقلية اقتصادية لا تضع الماء والمناخ في صميم مشروعها التنموي.

 

في الوقت الذي يدخل فيه المغرب مرحلة تتزايد فيها تحديات الجفاف وندرة المياه والفيضانات وارتفاع المخاطر المناخية، يبدو أن جزءاً من الخطاب الانتخابي ما يزال يتحرك داخل القوالب التقليدية نفسها: التشغيل، الاستثمار، الصحة، التعليم، السكن والعدالة الاجتماعية.كلها ملفات أساسية، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف في مغرب يتغير مناخه وتتراجع موارده المائية؟
المشكلة ليست فقط في محدودية حضور البيئة في بعض البرامج الحزبية، وإنما في غياب الربط بين المناخ والاقتصاد والمجتمع.
فالأرقام تكشف حجم التحول. فقد تراجعت حصة الفرد المغربي من الموارد المائية المتجددة من حوالي 2560 متراً مكعباً سنوياً سنة 1960 إلى نحو 620 متراً مكعباً سنة 2020، وهو مستوى يضع المغرب ضمن حالة الإجهاد المائي البنيوي ويقربه من عتبة الندرة المطلقة المقدرة بـ500 متر مكعب للفرد سنوياً.
وهنا لا يعود الماء قضية بيئية فقط، إنه قضية فلاحة، وصناعة، وسياحة، واستثمار، وتشغيل، وأسعار، وأمن غذائي، واستقرار اجتماعي.فكيف يمكن لبرنامج انتخابي أن يتحدث عن التنمية الاقتصادية دون أن يضع الماء في قلب هذه التنمية؟
وقد دفع الاقتصاد المغربي ثمن هذه التحولات، ففي سنة 2024 لم يتجاوز نمو الناتج الداخلي الإجمالي 3.2%، وقد أشار البنك الدولي إلى تأثير الجفاف في هذا التباطؤ، بينما بلغ نمو الأنشطة غير الفلاحية حوالي 3.8%.

والأكثر دلالة أن القطاع الفلاحي والغذائي يساهم بحوالي 16% من الناتج الداخلي الإجمالي و19% من إجمالي الصادرات، كما يوفر 67% من فرص الشغل في الوسط القروي و36% من مجموع فرص الشغل وفق معطيات 2023.
لذلك فإن الحديث عن الجفاف باعتباره مجرد مشكلة فلاحية هو اختزال شديد.عندما يتضرر الماء، تتضرر الفلاحة؛ وعند تضرر الفلاحة، يتضرر التشغيل والدخل والنمو والقرى وسلاسل الإنتاج والأسعار.
والمغرب معرض كذلك لمخاطر الفيضانات، ويشير البنك الدولي إلى تسجيل 20 فيضاناً كبيراً خلال العقدين الماضيين، مع أضرار تقدر بحوالي 450 مليون دولار سنوياً.كما يقدر البنك الدولي أن الكوارث الطبيعية تكلف المغرب أكثر من 575 مليون دولار سنوياً، مع توقع أن يؤدي التوسع الحضري وتغير المناخ إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالظواهر المناخية.هذه الأرقام تجعل سؤال البنية التحتية أكثر تعقيداً من مجرد بناء الطرق والمنشآت، فالمطلوب هو بنية تحتية قادرة على الصمود أمام المناخ الجديد.
لقد قدر تحليل مشترك للبنك الدولي وبنك المغرب حول المخاطر المناخية في القطاع البنكي، خسائر سيناريوهات الجفاف الشديد بما بين 4.2 و7 مليارات دولار، مع إمكانية انخفاض الناتج الداخلي الإجمالي بنحو 1.8 إلى 3.5 نقاط مئوية في بعض السيناريوهات. أما الفيضانات فقد تصل أضرارها في بعض السيناريوهات إلى 10.5 مليارات دولار، مع انخفاض محتمل للناتج بين 1.6 و2.2%.
وهنا يصبح السؤال السياسي أكثر إلحاحاً:إذا كان المناخ يمكن أن يؤثر بهذه القوة في الناتج والاستثمار والبنوك والتشغيل، فلماذا لا يكون جزءاً مركزياً من البرامج الاقتصادية والاجتماعية؟
ليس المطلوب من الأحزاب أن تضيف فقرة بعنوان «البيئة» إلى برامجها ثم تنتقل إلى الملفات الأخرى.بل المطلوب تغيير طريقة  التفكير: في أن يصبح الماء جزءاً من السياسة الاقتصادية، التكيف مع الجفاف جزءاً من السياسة الفلاحية والاجتماعية،وأن تصبح مقاومة الفيضانات جزءاً من سياسة التعمير،و الاقتصاد الأخضر مصدراً لفرص الشغل، والانتقال الطاقي جزءاً من استراتيجية الاستثمار،وأن تصبح حماية الفئات الهشة من آثار التغير المناخي جزءاً من العدالة الاجتماعية.
ويقدر البنك الدولي الانتقال إلى مسار أكثر قدرة على الصمود ومنخفض الكربون، يحتاج إلى استثمارات بحوالي 78 مليار دولار بالقيمة الحالية حتى منتصف القرن، مع إمكانية أن تساهم هذه الاستثمارات في خلق وظائف جديدة وتنشيط المناطق القروية وتعزيز الاقتصاد الأخضر.
رغم التحديات الايكوا- مناخية التي يعرفها المغرب ،فان البرامج  الحزبية  الانتخابية تفتقد إلى رؤية مستقبلية ومستدامة و لا تجيب على الاسئلة التالية :
من أين سنأتي بالماء؟ كيف سنحمي المدن من الفيضانات؟ كيف سنحافظ على فرص الشغل في المناطق المتضررة من الجفاف؟
كيف سنضمن الأمن الغذائي؟ كيف سنجعل الاستثمار متكيفاً مع المناخ ؟ وكيف سنحول التحديات المناخية إلى فرص اقتصادية ؟
هذه ليست أسئلة بيئية هامشية، إنها في جوهرها أسئلة اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولهذا فإن اختبار البرامج الحزبية لا ينبغي أن يكون فقط في عدد الوعود التي تتضمنها، وإنما في قدرتها على فهم التحولات التي يعيشها المغرب.
فالمغرب الذي كانت موارده المائية للفرد تتجاوز 2500 متر مكعب قبل عقود، ويعيش اليوم عند حدود 620 متراً مكعباً تقريباً، لا يمكن أن يُدار بعقلية اقتصادية لا تضع الماء والمناخ في صميم مشروعها التنموي.
والسؤال الذي يستحق أن يوجه إلى كل حزب ومرشح هو:ما مشروعكم الاقتصادي والاجتماعي لمغرب يدخل عصر ندرة المياه وتزايد المخاطر المناخية؟
فهنا تحديداً يمكن قياس الفرق بين برنامج انتخابي يكرر المطالب التقليدية، ورؤية سياسية تستشرف المستقبل.

عبد المجيد بوشنفى

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *