عبد المجيد بوشنفى
حين تتصدر القضايا الاجتماعية الخطاب الحكومي، يصبح الرهان الحقيقي هو تغيير واقع المواطن، لا الاكتفاء بتجديد الوعود.
وضعت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، في عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، قضايا العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية وتعزيز دخل الأسر وضبط الأسعار وجودة الخدمات العمومية ضمن الأولويات المعلنة للحكومة الجديدة. كما أكدت أن مسؤولية البرنامج الحكومي تقاس بالنتائج التي يلمسها المواطنون في حياتهم اليومية. .
ويكشف هذا التركيز عن إدراك لأهمية الملف الاجتماعي في المرحلة المقبلة، لكنه يضع الحكومة، في الوقت نفسه، أمام امتحان سياسي وعملي: كيف ستتحول هذه الأولويات إلى إجراءات قابلة للقياس، يشعر المواطن بأثرها في السوق والمدرسة والمستشفى ومجال الشغل؟
القدرة الشرائية: المعيار الأول
لا يحتاج المواطن إلى خطاب يشرح له أهمية محاربة الغلاء، فهو يواجه هذه الحقيقة يومياً عند اقتناء المواد الغذائية وأداء فواتير الماء والكهرباء وتغطية تكاليف السكن والتنقل. ما ينتظره هو أن تنعكس الإجراءات الحكومية على الأسعار الفعلية، وأن تتحسن قدرته على تلبية حاجاته الأساسية.
ومن ثم، فإن الحديث عن ضبط الأسعار ينبغي أن يقترن بتدابير واضحة لمراقبة الأسواق، ومحاربة الممارسات غير المشروعة، وضمان وفرة المواد الأساسية، مع الإعلان عن نتائج تسمح بتقييم أثر تلك التدابير.
الصحة والتعليم: من توسيع البرامج إلى تحسين الجودة
لا تكتمل الدولة الاجتماعية بمجرد توسيع الاستفادة من الدعم أو التغطية الصحية، إذا ظل المواطن يواجه صعوبات في الولوج إلى العلاج، أو استمرت الأسر في البحث عن بدائل مكلفة للتعليم العمومي.
فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحسين جودة الخدمات، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات، وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق القروية. كما أن نجاح الإصلاح الاجتماعي يقتضي أن تكون الخدمات الأساسية متاحة بكرامة وجودة، لا أن تتحول القدرة المالية للأسرة إلى عامل حاسم في الحصول عليها.
التشغيل: الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
يظل التشغيل أحد أكثر الملفات إلحاحاً، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الذين يبحثون عن فرص مستقرة تضمن الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. ولذلك، فإن أي برنامج اجتماعي يحتاج إلى ربط النمو الاقتصادي بإحداث فرص عمل لائقة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتطوير التكوين المهني، ومواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
فالاعتماد على الدعم الاجتماعي وحده لا يكفي لمعالجة الهشاشة بصورة مستدامة؛ إذ ينبغي أن يتكامل الدعم مع سياسات تتيح للأسر الانتقال من الحاجة المستمرة إلى الاستقلال الاقتصادي.
العدالة المجالية: هل تصل التنمية إلى الجميع؟
من الضروري أيضاً ألا تظل ثمار التنمية متركزة في المدن والمراكز الاقتصادية الكبرى. فالمجالات التي تعاني ضعف البنيات الأساسية، وقلة فرص الشغل، ونقص المرافق الصحية والتعليمية، تحتاج إلى برامج تستجيب لخصوصياتها وإمكاناتها.
وتبرز هنا أهمية نشر المعطيات المتعلقة بتوزيع الاستثمارات الاجتماعية جهوياً، ومواعيد إنجاز المشاريع، ومؤشرات الاستفادة منها، حتى تصبح العدالة المجالية التزاماً قابلاً للمحاسبة، لا مجرد عنوان في البرنامج الحكومي.
إن التركيز على القضايا الاجتماعية في خطاب رئيسة الحكومة يضع معياراً واضحاً لتقييم العمل الحكومي: النتائج لا النوايا المعلنة، والأثر الملموس لا عدد المشاريع والخطابات.
وإذا كانت الحكومة قد أعلنت أن مسؤوليتها تقاس بما يتحقق في الحياة اليومية للمواطنين، فإن ذلك يقتضي اعتماد مؤشرات دورية وشفافة بشأن الأسعار والتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع توضيح ما تحقق، وما تعثر، وما يحتاج إلى تصحيح.
فالدولة الاجتماعية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بقدرة السياسات العمومية على حماية كرامة المواطن، وتقليص الفوارق، وتوفير شروط العيش الكريم. والسؤال الذي سيحكم على البرنامج الحكومي ليس ما الذي وعدت به الحكومة، بل ما الذي سيتغير فعلياً في حياة المغاربة؟