عبد المجيد بوشنفى
المغرب لا يحتاج إلى حكومة تُجيد شرح التوجيهات الملكية، بل إلى حكومة تستطيع تحويلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ، ونتائج ملموسة، ومسؤولية سياسية واضحة.
لم يعد السؤال، بعد الخطاب الملكي أمام البرلمان، متعلقًا فقط بهوية الأحزاب التي ستتصدر المشهد الحكومي المقبل، ولا بعدد الحقائب التي ستحصل عليها هذه الجهة أو تلك، ولا بالتوازنات التي تفرضها مفاوضات تشكيل الأغلبية. فالسؤال الأعمق هو: أي تشكيلة حكومية ستكون قادرة على الانتقال من منطق تدبير الزمن السياسي إلى منطق صناعة الأثر التنموي؟
فالتوجيهات الملكية، حين تضع التنمية والعدالة المجالية وفعالية المؤسسات في صلب الاهتمام، لا ينبغي أن تتحول إلى عبارات جاهزة تتكرر في البلاغات الحكومية، أو إلى شعارات تُستهلك في الخطب والندوات. إنها تطرح، في جوهرها، امتحانًا سياسيًا ومؤسساتيًا يتعلق بقدرة الحكومة على ترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وتصحيح الاختلالات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هنا، فإن النقاش حول الحكومة المقبلة لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: من سيحصل على أي حقيبة؟ بل بالسؤال الأكثر إلحاحًا: من يمتلك تصورًا واضحًا لما ينبغي إنجازه، وآليات واقعية لتحقيقه، والاستعداد السياسي لتحمل تبعات النجاح أو الإخفاق؟
فالحكومة التي تترجم التوجيهات الملكية إلى خطة عمل تحتاج إلى ثلاثة شروط مترابطة: كفاءات قادرة على اتخاذ القرار، وانسجام يسمح بتنفيذ السياسات العمومية، وإرادة سياسية تجعل المصلحة العامة معيارًا في تدبير الاختلافات داخل الأغلبية.
وليس المقصود بالكفاءة مجرد الشهادات الأكاديمية أو الألقاب المهنية، بل القدرة على تشخيص المشكلات، وتدبير الموارد، وتقييم السياسات، واتخاذ القرارات الصعبة حين تقتضيها المصلحة العامة. فالوزارة ليست مكافأة حزبية، ولا منصبًا للتشريف، وإنما مسؤولية تتطلب معرفة دقيقة بالقطاع، وفريق عمل مؤهلًا، واستعدادًا للمحاسبة.
ومن هنا، يصبح السؤال النقدي مشروعًا: هل ستُبنى التشكيلة الحكومية على حاجات القطاعات وأولويات المواطنين، أم ستظل رهينة التوازنات الحزبية وتقاسم الحقائب؟ لا يتعلق الأمر باستباق الحكم على حكومة لم تتضح كل معالمها، بل بوضع معيار واضح للحكم على اختياراتها عندما تتبلور.
إن التحدي الحقيقي ليس في إعادة صياغة التوجيهات الملكية بلغة إدارية، وإنما في تحويلها إلى التزامات حكومية محددة، بآجال زمنية وميزانيات ومؤشرات قياس واضحة.
فالعدالة المجالية، مثلًا، لا تتحقق بمجرد الحديث عن تقليص الفوارق بين الجهات؛ بل تتطلب توجيه الاستثمار والخدمات الأساسية إلى المجالات التي تعاني من الخصاص. والتنمية الاقتصادية لا تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما تنتجه من فرص شغل مستدامة، وما تخلقه من قيمة مضافة، وما تتيحه للشباب من آفاق حقيقية.
أما الدولة الاجتماعية، فلا يمكن اختزالها في برامج معلنة، بل ينبغي قياس أثرها على جودة المدرسة العمومية، وولوج المواطنين إلى العلاج، والقدرة الشرائية للأسر، والحماية الاجتماعية للفئات الهشة.
وقد أبرز الخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026 ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، في سياق بداية ولاية تشريعية وحكومية جديدة.
فحين تتأخر المشاريع بسبب تداخل الاختصاصات، أو تنتظر الجماعات الترابية قرارات وموارد لا تتوفر عليها، أو تظل بعض المناطق خارج دوائر الاستثمار المنتج، فإن المشكلة لا تكون دائمًا في غياب البرامج، بل قد تكون في طريقة تدبيرها وتنسيقها وتنفيذها.
وقد شدد الخطاب الملكي على ضرورة تفعيل اللاتمركز الإداري، ونقل الصلاحيات والموارد اللازمة إلى الجهات والأقاليم، وتوضيح الاختصاصات وتحسين التنسيق بين الدولة والجهات.
ولا معنى للحديث عن جهوية متقدمة إذا ظلت بعض القرارات محاصرة بالمركزية، ولا جدوى من الدعوة إلى الاستثمار إذا استمرت المساطر المعقدة في إضعاف المبادرة، ولا يمكن الحديث عن تنمية منصفة إذا لم تنعكس المشاريع على الحياة اليومية للمواطنين.
أي حكومة مقبلة ستجد نفسها أمام سؤال اجتماعي بالغ الأهمية: ماذا ستقدم للشباب الذي يبحث عن فرصة عمل، وللأسر التي تواجه تكاليف المعيشة، وللمواطن الذي يريد مدرسة جيدة ومستشفى يستجيب لحاجاته؟
إن وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، كما دعا إلى ذلك الخطاب الملكي، ينبغي أن يتحول إلى سياسة متكاملة تربط التعليم بالتأهيل المهني، والتكوين بحاجات الاقتصاد، والاستثمار بخلق فرص الشغل، والمبادرات المقاولاتية بإزالة العوائق التي تحد من نموها.
المطلوب ليس وعودًا إضافية، بل تعاقد حكومي واضح مع المواطنين: أهداف محددة، وجدول زمني معلن، وتقارير دورية تكشف ما تحقق وما تعثر، وأسباب التعثر والإجراءات التصحيحية.
إن أحد أوجه الخلل في الممارسة السياسية هو أن الاهتمام يبلغ ذروته أثناء تشكيل الحكومة، ثم ينصرف النقاش إلى الصراعات الحزبية والتصريحات المتبادلة، بينما تتراجع متابعة النتائج الفعلية للسياسات العمومية.
لذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط باختيار الوزراء، بل أيضًا ببناء منظومة للمحاسبة تجعل تقييم الأداء جزءًا من العمل الحكومي اليومي.
وينبغي أن يتضمن البرنامج الحكومي، منذ البداية، مؤشرات قابلة للقياس في التشغيل والصحة والتعليم والاستثمار وتقليص الفوارق المجالية، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل هدف، والموارد المرصودة له، وآجال تنفيذه.
كما أن البرلمان مطالب بممارسة رقابته على أساس الحصيلة والأرقام، لا الاكتفاء بالمواجهة الخطابية. والمعارضة، من جهتها، تستطيع أن تؤدي دورًا بناءً حين تقدم بدائل قابلة للتنفيذ وتكشف مواطن الخلل بالحجة والوثيقة.
بهذه الآليات يصبح ربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسة مؤسساتية، لا مجرد عبارة تتكرر كلما ارتفع منسوب الانتقاد السياسي.
إن السؤال عن التشكيلة الحكومية المقبلة مشروع، لكن الإجابة عنه لا ينبغي أن تتحول إلى سباق لتسمية الوزراء أو توزيع علامات النجاح والفشل على الأحزاب قبل أن تتضح الوقائع.
الأجدى هو أن يُطرح على كل مكون من مكونات الأغلبية سؤال واحد: ما الذي سيضيفه إلى المشروع الحكومي؟ وما الكفاءات التي سيقدمها؟ وما الالتزامات التي سيقبل أن يُحاسب عليها؟
فالحكومة التي تترجم التوجيهات الملكية إلى عمل ليست بالضرورة تلك التي تضم أكبر عدد من الأسماء اللامعة، ولا التي تتوفر على أوسع تمثيلية حزبية، وإنما تلك التي تنجح في بناء فريق منسجم، وتحديد الأولويات، وتعبئة الموارد، وتنفيذ القرارات، وتصحيح الأخطاء بشفافية.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة أي تشكيلة حكومية بعدد الحقائب التي توزعها، بل بما تستطيع تحقيقه من تنمية وفرص وكرامة وعدالة مجالية.
فالخطاب الملكي يحدد أفقًا للعمل، أما مسؤولية الحكومة فتبدأ حين تتحول التوجيهات إلى قرارات، والقرارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج يلمسها المواطن.
و لن يكون الامتحان الحقيقي في بلاغ الإعلان عن الحكومة، بل في حصيلتها أمام البرلمان والمواطنين. فهناك، لا تكفي البلاغة، ولا تنفع التبريرات، بل تتحدث الأرقام، ويُقاس الأثر، وتظهر قيمة الاختيارات السياسية.