بتراب عمالة عين الشق، لم يكن هاكاثون CoopUp مجرد موعد مهني عابر، بل كان أشبه بورشة مفتوحة لإعادة التفكير في مستقبل التعاونيات من داخل واقعها نفسه؛ أربعة أيام كاملة تحولت خلالها أكاديمية المهن الرقمية إلى فضاء نابض بالأسئلة والأفكار والتجريب، حيث التقت الحاجة إلى الحلول مع الجرأة على الابتكار. ومن تشخيص الإكراهات التجارية والرقمية إلى صياغة الأفكار ثم صقل المشاريع، رسم الحدث مساراً واضحاً: تحويل التحديات اليومية التي تواجه التعاونيات إلى فرص عملية قابلة للبناء والتنفيذ.

- عين الشق تفتح ورشة المستقبل
احتضنت أكاديمية المهن الرقمية بعين الشق هاكاثون CoopUp في ظرفية تزداد فيها الحاجة إلى نماذج جديدة لدعم التعاونيات، خاصة في ما يتعلق بالتموقع في السوق، والتواصل مع الزبناء، وتطوير الحضور الرقمي. ولم يأتِ هاكاثون CoopUp بوصفه نشاطاً تدريبياً تقليدياً، بل كمساحة عمل جماعي حقيقية، جمعت ممثلي تعاونيات محلية مع مؤطرين وخبراء في التسويق والتحول الرقمي والدعم النفسي والتقني، في محاولة لفتح أفق جديد أمام فاعلين اقتصاديين يملكون منتوجاً جيداً لكنهم يحتاجون إلى أدوات أكثر فعالية للانتشار والنمو.
منذ اللحظات الأولى، بدا أن الرهان أكبر من مجرد تبادل خبرات أو تلقي عروض نظرية. كان الهدف هو بناء دينامية تشاركية تدفع المشاركين إلى التفكير الجماعي، والاستماع إلى الواقع الميداني، ثم تحويل المشكلات إلى مشاريع قابلة للتطوير. وهكذا، تحولت القاعة إلى ورشة حية تتقاطع فيها الخبرة مع الحاجة، والاحتكاك مع الإبداع، والطرح العملي مع الرؤية الاستراتيجية.
- من الواقع إلى الفكرة
بدأت رحلة الهاكاثون من الإصغاء. فقد خصص اليوم الأول للاستقبال، والتأطير، وعرض التحديات التي تعيشها التعاونيات المشاركة، حيث قدم ممثلوها شهادات مباشرة عن صعوبات الوصول إلى الأسواق، وضعف الوجود الرقمي، وتحديات اللوجستيك، وغياب رؤية تسويقية واضحة. هذه الشهادات لم تكن مجرد مداخلات، بل كانت المادة الخام التي بُني عليها ما بعد ذلك من نقاشات وأفكار وتصورات. ومن هناك، انتقل المشاركون إلى جلسات العصف الذهني، حيث جرى تفكيك الإشكالات إلى عناصرها الأساسية، وإعادة صياغتها من زوايا مختلفة، والبحث عن حلول لا تكتفي بالتوصيف، بل تلامس قابلية التطبيق. في هذه المرحلة، بدأت ملامح المشاريع الأولية تتشكل داخل الفرق، بعد أن توزع المشاركون على مجموعات عمل متعددة، روعي فيها تنوع المهارات والخلفيات حتى تتكامل الرؤية التقنية مع البعد التجاري والتواصلي.

- التسويق ليس تفصيلاً
أحد أكثر المحاور حساسية في الهاكاثون كان محور التسويق والتموقع الاستراتيجي، لأنه لامس جوهر الإشكال الذي تعاني منه كثير من التعاونيات: منتوج جيد دون تموقع قوي، وجود فعلي في الميدان دون حضور رقمي مؤثر، جهد كبير في الإنتاج دون استراتيجية واضحة للوصول إلى المستهلك. وهنا جاء التأطير ليؤكد أن الحل لا يكمن فقط في تحسين المنتوج، بل في إعادة التفكير في طريقة تقديمه، وتحديد الجمهور المستهدف، وبناء هوية تجارية واضحة ومتماسكة. هذا التحول في التفكير كان ضرورياً، لأنه نقل النقاش من منطق “ما الذي ننتجه؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “كيف نصل به إلى الناس؟”. وهي النقلة التي صنعت الفرق بين فكرة تقنية عابرة ومشروع يحمل ملامح استراتيجية حقيقية. وقد بدا واضحاً خلال الجلسات أن المشاركين لم يتعاملوا مع هذه المعطيات كدروس نظرية، بل كأدوات يمكن إسقاطها مباشرة على واقع تعاونياتهم.
- العمل الجماعي يصنع الفارق
على امتداد الأيام اللاحقة، تزايدت كثافة الاشتغال داخل الفرق، وبدأت المشاريع تأخذ أشكالاً أكثر نضجاً. لم يعد الأمر يتعلق فقط بتوليد الأفكار، بل بصقلها، واختبار قوتها، وتحديد ما يجعل كل مشروع مختلفاً وقابلاً للاستمرار. هنا برزت قيمة العمل الجماعي، ليس فقط بوصفه وسيلة لتنظيم المهام، بل باعتباره طريقة للتفكير نفسه. وقد لعب المؤطرون دوراً محورياً في توجيه هذا المسار، من خلال المرافقة التقنية، والتنشيط، والدعم النفسي، وتثبيت الخطوات الأساسية التي تضمن تقدّم الفرق دون أن تفقد البوصلة. كما ساعد هذا التنوع في التأطير على خلق توازن داخل الفضاء العام للهاكاثون، بحيث لم يكن ضغط الإنجاز منفصلاً عن لحظات الاستراحة أو الحاجة إلى إعادة شحن الطاقة، وهو ما منح التجربة طابعاً إنسانياً وعملياً في آن واحد.
- لحظة الحسم
جاء اليوم الرابع ليمنح كل هذا الاشتغال معناه النهائي. فبعد ثلاثة أيام من الحوار والتفكير والبناء، وقفت الفرق أمام لجنة التحكيم لتقديم مشاريعها النهائية، في لحظة اختبرت فيها قدرة المشاركين على تحويل الفكرة إلى عرض، والتصور إلى حجة، والحل إلى مسار قابل للتنفيذ. كانت تلك اللحظة تتويجاً لرحلة جماعية قصيرة زمنياً، لكنها كثيفة من حيث المحتوى والتأثير. لم يكن التقييم مجرد نهاية للفعالية، بل كان اختباراً حقيقياً لمدى نضج الأفكار المطروحة، ودرجة ارتباطها بالواقع، وإمكانية أن تتحول إلى مبادرات عملية في المستقبل. وهنا بالضبط تتجلى أهمية CoopUp: لا كحدث يكتفي بخلق الأجواء، بل كمختبر لإنتاج إمكانات جديدة للتعاونيات، وإعادة ربطها بسوق أوسع وأدوات أكثر عصرية.
- ما بعد الهاكاثون
ما حدث في عين الشق خلال أربعة أيام يتجاوز حدود التظاهرة نفسها. إنه يعكس حاجة ملحة إلى مثل هذه المبادرات التي لا تكتفي برصد المشكلات، بل تخلق مساحات فعلية للتفكير المشترك وصناعة الحلول. وفي هذا المعنى، فإن CoopUp لم يكن مجرد اسم لحدث، بل كان عنواناً لرهان واضح: أن التعاونيات، حين تحصل على التأطير المناسب والفضاء الملائم، يمكن أن تتحول من كيانات تواجه تحديات متراكمة إلى فاعلين قادرين على الابتكار والنمو والتأثير. وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتشتد فيه المنافسة التجارية، تبدو مثل هذه المبادرات أكثر من ضرورية. فهي لا تمنح التعاونيات فقط فرصة للظهور، بل تمنحها أيضاً لغة جديدة للتعامل مع السوق، وفهماً أعمق للجمهور، وأدوات أكثر فعالية لتثبيت حضورها في الاقتصاد المحلي. ومن هنا، فإن قصة CoopUp في عين الشق ليست مجرد خبر عن حدث ناجح، بل إشارة واضحة إلى أن المستقبل يمكن أن يُبنى جماعياً، إذا توفرت الإرادة، والتنظيم، والرؤية.
تجدر الاشارة الى حضور لافت في اليومين الرابع للسيدة عامل عمالة عين الشق السيدة بشرى برادي ورئيسة قسم العمل الإجتماعي بعمالة عين الشق السيدة هند حنين والرئيس المدير العام لمؤسسة ابداع السيد عبد الوهاب خلاد للفريقين الاداري لقسم العمل الإجتماعي ومؤسسة إبداع.