آخـــر الأخبـــار

لطفي بوشناق… حين تعجز الأقزام عن بلوغ القامة فيحاولون النيل منها

في كل زمنٍ يبرز رجالٌ تصنعهم المواقف، وتخلّدهم القيم، وتمنحهم الشعوب مكانةً لا تهزّها العواصف ولا تنال منها حملات التشويه. ومن بين هؤلاء يظل اسم لطفي بوشناق واحدًا من أنقى الأسماء التي أنجبتها تونس، صوتًا وإنسانًا وموقفًا.

لم يكن لطفي بوشناق يومًا مجرد فنان يعتلي المسارح ثم يغادر، بل كان ضمير وطن، ولسان شعب، وصوت كرامة حمل هموم الناس في حنجرته، وجعل من الفن رسالة نبيلة لا تجارة عابرة. غنّى للوطن فصار الوطن يردّد صوته، وغنّى للإنسان فلامس القلوب من المحيط إلى الخليج، وغنّى ه فصار نشيدًا للأحرار.

ومن يعرف الرجل عن قرب، يعلم أنه مثال دماثة الأخلاق، ورقي المعاملة، ونبل النفس، وصدق المواطنة. إنسان أديب، رقيق الحس، مترفع عن الصغائر، متعفف عن المكاسب، منحاز دائمًا إلى القيمة لا إلى المنفعة، وإلى المبدأ لا إلى المصلحة. أليس هو من قال في كلمات خالدة تختصر معدن الرجال: خذوا المناصب والمكاسب واتركوا لي الوطن؟

فكيف يتجرأ بعض ضعاف النفوس على مقام كهذا؟ وكيف تسمح لهم نفوسهم المريضة أن يسيئوا إلى من أفنى عمره في خدمة الفن الراقي وصورة تونس المشرقة؟ إنهم أولئك الذين لا يملكون قدرة البناء، فيلجؤون إلى الهدم، ولا يستطيعون صناعة المجد، فيحاولون تلطيخ أمجاد غيرهم.

لكن الحقيقة الثابتة أن الأشجار المثمرة وحدها تُرمى بالحجارة، وأن القامات العالية وحدها تستفز الأقزام. وإذا كثر حول العظماء العواء، فاعلم أن حضورهم قد آلم الحاقدين، وأن نجاحهم أوجع العاجزين، وأن نورهم أزعج من اعتادوا الظلام.

لقد تغنّى لطفي بوشناق بحب الأوطان، وبكرامة البشر، وبآلام المظلومين، وبأحلام البسطاء، فكان فنه مرآة شعب، وصوته ملاذ وجدان. ردد أغانيه الشيوخ والشبان، وحفظ الناس أعماله لأنها خرجت من قلب صادق، وما خرج من القلب يصل إلى القلب.

أما حملات التشويه، فمصيرها الزوال، لأنها تقوم على الزيف، والزيف لا يصمد طويلًا أمام تاريخ من النقاء والعطاء. وأما الكبار، فيبقون كبارًا مهما ارتفع صخب الصغار من حولهم.

سيبقى لطفي بوشناق شامخًا، رمزًا من رموز تونس، وعمادًا من أعمدة الفن الأصيل، واسمًا محفورًا في ذاكرة الأجيال. وسيبقى خير انتقام من المسيئين هو مواصلة طريق المجد، والاستمرار في الإبداع، وترك الزمن ينطق بالحقيقة.

سلامًا لك يا صوت تونس الحر… ويا من أثبت أن الفن أخلاق، وأن الوطنية وفاء، وأن الكبار تصنعهم المواقف.

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *