مكناس: الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية ينضم ورشة تكوينية في موضوع: مستجدات القوانين الانتخابية

في صباح السبت 5 شتنبر 2026، لم يكن مركز تكوين وتنشيط النسيج الجمعوي بمكناس مجرد فضاء لاحتضان لقاء تكويني عابر، بل تحول إلى ورشة حية للنقاش والتعلم واستعادة الصلة بين المواطن والمؤسسات والقواعد التي تؤطر العملية الانتخابية. فمنذ التاسعة والنصف صباحا، بدأ المشاركون والمشاركات يتوافدون إلى المكان محملين بأسئلة كثيرة حول مستجدات القوانين الانتخابية، وحول ما تعنيه تلك المستجدات فعليا بالنسبة إلى الناخبين والناخبات، والشباب والنساء، وكل من يرغب في الانخراط في الحياة السياسية والمدنية بوعي ومسؤولية.

الورشة، التي نظمها الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية بمكناس بشراكة مع جمعية سمسم، جاءت في سياق تنزيل مضامين ومخرجات ورشة تكوين المكونين التي نظمتها جمعية سمسم مشاركة مواطنة بالرباط ضمن برنامج  Civis+ المغرب. وكان وراء تنظيمها إدراك واضح بأن المشاركة الانتخابية لا يمكن أن تكتمل بمجرد التوجه إلى صناديق الاقتراع، ما لم يسبق ذلك فهم للإطار الدستوري والقانوني، ومعرفة بمراحل العملية الانتخابية ومصادر المعلومات المرتبطة بها، وقدرة على التمييز بين المعلومة الموثوقة والانطباع العابر.

في كلمته الافتتاحية، شدد الأستاذ حسن جبوري، رئيس الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية بمكناس، على أهمية هذه المبادرة في مرحلة تستعد فيها مختلف الفعاليات للاستحقاقات الانتخابية، في ظل تحولات ومستجدات قانونية وتنظيمية تهم جميع المتدخلين في هذه المحطة. كما توجه بالشكر إلى مكونات جمعية سمسم على مواكبتها ودعمها لإنجاز الورشة، قبل أن يأخذ اللقاء منحاه التكويني والتفاعلي مع الأستاذ عصام خايف الله، مؤطر الورشة.

اللقاء عرف تنوعا في الحضور بين شباب وشابات نساء ورجال فاعلين وفاعلات مدنيين ومنتخبين وأعضاء الهيئات الاستشارية والطلبة الباحثين وبعض المهتمين؛ وهو حضور منح النقاش طاقة خاصة، وجعل الأسئلة المطروحة متصلة مباشرة بانتظارات جيل يتطلع إلى فهم موقعه داخل المجال العام. ومنذ البداية، أوضح المؤطر أن الغاية ليست تقديم عرض قانوني جاف أو استعراض نصوص يصعب الاقتراب منها، وإنما تبسيط أبرز المستجدات التي عرفتها المنظومة الانتخابية، والتعريف بالمقتضيات القانونية الجديدة، وشرح انعكاساتها على الناخبين والناخبات، وعلى الراغبين في المشاركة السياسية والمدنية.

انطلق النقاش من الدستور باعتباره المدخل الطبيعي لفهم الانتخابات. فتناول المشاركون تطور الفكرة الدستورية بالمغرب، والعلاقة التي تربط الدستور بالعملية الانتخابية، قبل أن ينتقلوا إلى خريطة المؤسسات الدستورية والسياسية واختصاصاتها ووظائفها. لم يكن الهدف حفظ أسماء المؤسسات أو تعداد أدوارها، بل استيعاب موقع كل مؤسسة داخل المنظومة السياسية والدستورية، وفهم كيفية اتصالها بمختلف مراحل العملية الانتخابية وبالاختيارات التي تترجمها صناديق الاقتراع.

ومن هذا الأساس الدستوري والمؤسساتي، انتقل النقاش إلى الإطار المعياري للانتخابات، حيث جرى تفكيك مفاهيم تبدو مألوفة في التداول اليومي، لكنها تحتاج إلى قدر كبير من الدقة حين ترتبط بالممارسة الديمقراطية. كما ناقش الحاضرون معنى الانتخابات والتصويت والمشاركة السياسية والمشاركة المدنية والمشاركة الانتخابية، كما توقفوا عند أهمية مصادر المعلومة الانتخابية وضرورة الاعتماد على قنوات موثوقة ومنظمة لفهم الاستحقاقات ومتابعتها. وبذلك، لم تعد العملية الانتخابية تظهر كحدث يبدأ يوم التصويت وينتهي بإعلان النتائج، بل كمسار متكامل يبدأ بمراجعة القوانين والتسجيل في اللوائح الانتخابية، ويمر بتقديم الترشيحات وإعداد البرامج والحملات الانتخابية، ثم يصل إلى التصويت وفرز الأصوات وإعلان النتائج وتقديم الطعون وتشكيل المؤسسة البرلمانية.

غير أن قيمة الورشة لم تتوقف عند حدود العرض النظري. فقد حرص المؤطر على نقل المشاركين من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، من خلال أنشطة تطبيقية اشتغلوا عليها في مجموعات، وفتحت أمامهم المجال لمناقشة المضامين وتقاسم الفهم وتحليل مختلف مراحل العملية الانتخابية. وفي هذا التفاعل الجماعي، اكتسبت المفاهيم معنى أقرب إلى التجربة، وتحولت الأسئلة الفردية إلى نقاش مشترك، فيما أتاح العمل الجماعي اختبار مدى استيعاب المشاركين للمقتضيات التي جرى تناولها.

وجاءت محاكاة مراحل يوم الاقتراع لتمنح الورشة ذروتها العملية. ففي وضعية تفاعلية، استحضر المشاركون الإجراءات المرتبطة بالعملية الانتخابية، وطبقوا المعارف التي اكتسبوها خلال اليوم، بما جعل القانون أقرب إلى الممارسة، وجعل فهم المسار الانتخابي تجربة ملموسة لا مجرد معلومات محفوظة. كما كانت المحاكاة، في جوهرها، تمرينا على المشاركة الواعية، وعلى اكتساب القدرة على متابعة الاستحقاقات بعيون أكثر انتباها ومسؤولية.

وأظهرت بطاقات التقييم أن هذا الأسلوب لقي صدى إيجابيا لدى الحاضرين. فقد حصلت مختلف محاور الورشة على تقييم 4 من 4، وأكد المشاركون والمشاركات أن المحتوى كان واضحا ومنظما ومستجيبا لتوقعاتهم، كما أشادوا بجودة الاستقبال والظروف اللوجستيكية التي رافقت التنظيم رغم الحرارة المرتفعة. وفي المقابل، بدا أن الزمن المخصص للورشة لم يكن كافيا أمام حجم المعلومات والموضوعات المطروحة، وهو ما يعكس اتساع الحاجة إلى مواصلة هذا النوع من التكوين وتوسيعه.

بهذا المعنى، لم تكتفِ الورشة بتقديم معلومات حول القوانين الانتخابية، بل أسهمت في بناء أدوات للمشاركة المواطنة. فقد عززت وعي الحاضرين بالدستور والمنظومة الانتخابية، ونمت لديهم مهارات الحوار والعمل الجماعي والمحاكاة، وشجعتهم على الانخراط في الحياة السياسية والمدنية من موقع أكثر وعيا واستقلالية. كما ساعدتهم على فهم وظائف المؤسسات المنتخبة واختصاصاتها، وهو ما يمكن أن يدعم الثقة فيها من خلال جعل أدوارها وموقعها داخل المسار الانتخابي أكثر وضوحا.

في ختام اليوم، بدا أن الورشة التكوينية نجحت في نقل المشاركين والمشاركات من مستوى الوعي النظري إلى مستوى التمكين والتطبيق العملي. فقد منحتهم الورشة الفهم البسيط للدستور والقوانين الانتخابية، والأدوات لقراءة مراحل العملية الانتخابية، ومعايير البحث عن المعلومة الموثوقة، وتجربة جماعية جعلت المشاركة المدنية أقرب إلى الممارسة اليومية. وفي مجتمع يحتاج إلى مواطنين يتابعون الاستحقاقات بوعي، وإلى مجتمع مدني يواكب ويشرح ويقيم، شكلت ورشة مكناس خطوة عملية في اتجاه انتخابات أكثر فهما، ومشاركة أكثر مسؤولية، وحياة عامة يملك فيها المواطنون قدرة أكبر على الحضور والتأثير.

 

 

عصام خايف الله

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *