برحاب كلية الحقوق بمكناس نظمت شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، بالتعاون مع مختبر الدراسات الدستورية والإدارية والمالية، ومركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية، والفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية، يوم الجمعة 5 يونيو 2026 مائدة مستديرة خصصت لمناقشة موضوع بالغ الأهمية في سياق مسار اللامركزية والحكامة الترابية بالمغرب، اختير له عنوان “تعديلات القانون التنظيمي للجهات وسؤال الحكامة الترابية“. ويمثل هذا الحدث العلمي محطة بارزة لتسليط الضوء على التطورات القانونية والمؤسساتية التي يشهدها ورش الجهوية المتقدمة، والذي يهدف إلى تعزيز دور الجهات في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.

وتأتي هذه التعديلات في ظل سياق وطني ودولي متزايد بالاهتمام بقضايا الحكامة الترابية، حيث يسعى المغرب إلى تمكين الجهات من الاضطلاع بمهامها التنموية والاقتصادية والاجتماعية بفعالية أكبر. وقد استدعت التجربة العملية للقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات مراجعة وتعديلا لتجاوز الإكراهات وتكييف الإطار القانوني مع المستجدات والتحديات الراهنة. وقد تمحورت أهداف المائدة المستديرة حول تحليل الأبعاد القانونية والمؤسساتية للتعديلات الجديدة، ومناقشة سبل تدبير الاختصاصات والموارد الجهوية، واستعراض آليات تنفيذ المشاريع، والوقوف على مستجدات تمويل الجهات، فضلا عن توفير فضاء للحوار وتبادل الخبرات بين مختلف الفاعلين.
افتتحت المائدة المستديرة بكلمات ترحيبية ألقاها كل من الدكتور محمد قدوس عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس رحب من خلالها بالحضور المتنوع وشاكرا فيها كل المنظمين على هذا اللقاء الهام الذي يواكب كل المستجدات القانونية المتعلقة بالجماعات الترابية وخصوصا القانون الجديد للجهات 26-031، كا أوضح السيد العميد على أن هذا القانون يمثل نقلة نوعية في مسار اللامركزية والجهوية المتقدمة، كونه يحدد اختصاصات الجهات ومواردها وعلاقاتها مع السلطات المركزية، مما يستوجب نقاشا معمقا يجمع الباحثين والخبراء والفاعلين المؤسساتيين.

بدوره أكد الدكتور مصطفى المعمر مديرمختبر الدراسات الدستورية والإدارية والمالية على أهمية تنظيم هذه المائدة المستديرة التفاعلية والتي تتيح تبادل الآراء بحرية وتطرح الإشكاليات العملية المرتبطة بتطبيق النص القانوني، خاصة في مجالات التخطيط والتنمية والاستثمار الجهوي. كما شدد على أن تنظيم هذا اللقاء يأتي في سياق وطني يهدف إلى تعزيز الحكامة الترابية وتقريب القرار من المواطن، مع ضرورة تجاوز العقبات التنفيذية التي قد تواجه الجماعات الترابية.
الدكتور أحمد الحضراني رئيس مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية فقد أستهل كلمته بأن عمل المركز دائما ما يعود مهتميه بطرح الإشكاليات قبل أن تفرضها الممارسة الميدانية، وذلك من خلال ندوات وأوراق بحثية سبقت مناقشة النصوص التطبيقية. وأضاف أن تنظيم هذه المائدة التفاعلية يهدف إلى تقييم أثر هذا القانون على أرض الواقع، وفتح نقاش علمي جاد بين الأكاديميين والمهنيين حول التحديات المرتبطة بتوزيع الاختصاصات والموارد بين الجهات والدولة.

كلمة الاستاذ حسن جبوري رئيس الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية بمكناس أوضح فيها على أن المجتمع المدني شريك أساسي في ترسيخ الحكامة التشاركية وضمان نجاعة تنزيل النصوص القانونية على أرض الواقع، من خلال رصد الاحتياجات الحقيقية للمواطنين وتقريب القرار من محله. كما دعا إلى تعزيز الاليات التشاركية واستثمار نتائج هذه المائدة لتطوير أدوار الفاعلين الجمعويين في مواكبة إصلاح الجهوية المتقدمة وتعزيز الشراكة بين الجامعة والمجتمع المدني.
وقد تولى تسيير هذه المائدة المستديرة التفاعلية الدكتور محمد قزيبر، رئيس شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس.
المداخلة الاولى استهلها الدكتور رشيد البوني أستاذ باحث بجامعة المولى اسماعيل والذي قدم من خلالها عرضه التفصيلي حول القانون التنظيمي الجديد رقم 26-031، والذي يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111-14 المتعلق بالجهات. وأوضح الدكتور رشيد البوني أن هذه التعديلات تهدف إلى ضمان التنزيل الأمثل للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز فعالية آليات التنفيذ. كما أشار إلى أن الفلسفة الكامنة وراء هذه التعديلات تتجه نحو الانتقال من “الوكالة الجهوية” كأداة إدارية إلى “الشركة الجهوية” كأداة تدبيرية تتميز بالمرونة، وتأخذ شكل شركة مساهمة.
وقد ركز الدكتور رشيد البوني في عرضه على ابرز المستجدات الجوهرية التي جاء بها القانون التنظيمي الجديد، والتي مست بشكل خاص الاختصاصات وآليات التنفيذ والتعاقد. فيما يتعلق بمراجعة الاختصاصات (المادتان 82 و 91)، شهدت الاختصاصات الذاتية للجهات تقليصا في عددها وتدقيقا في نوعها، حيث تم تحويل بعض الاختصاصات التي كانت ذاتية في القانون السابق إلى اختصاصات مشتركة. ومن أبرز الإضافات الجديدة إعداد المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية، والمساهمة في تعبئة العقار اللازم لإحداث مناطق الأنشطة الاقتصادية بالجهة. كما تم تعديل صياغة بعض الاختصاصات، مثل تحويل “دعم المقاولات” إلى “تحفيز المبادرة المقاولاتية والاستثمار المنتج”. في المقابل، تم توسيع نطاق الاختصاصات المشتركة لتشمل مجالات حيوية كانت تعتبر ذاتية سابقا، مثل الطرق القروية، والمناطق الحرفية، وتنظيم المهرجانات، ومجالات البيئة.
أما بخصوص آليات التنفيذ (المواد 128-140)، فقد شهدت تحولا مهما تمثل في تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة تسمى “الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع”. وتخضع هذه الشركات لأحكام القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، ولرقابة مالية سنوية مشتركة تقوم بها المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية. كما أن تعيين المدير العام لهذه الشركات يتم بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، خلافا لما كان عليه الأمر في القانون السابق حيث كان يتم التعيين من طرف رئيس الجهة. وفيما يخص التعاقد (المادة 93)، عرفت المادة المتعلقة بالتعاقد تغييرا جوهريا، حيث أصبح التعاقد بين الجهة والدولة يتم بمبادرة من الدولة لإنجاز مشاريع وطنية داخل الدائرة الترابية للجهة، بعد أن كان يتم بمبادرة من الجهة في القانون التنظيمي 111-14.
ولإبراز الفروقات الجوهرية بين القانونين، قدم الدكتور رشيد البوني تلخيصا مقارناتيا شمل أداة التنفيذ، حيث انتقل المشرع من اعتماد “الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع” بصفتها مؤسسة عمومية في القانون 111.14، إلى إحداث “الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع” التي تأخذ شكل شركة مساهمة في القانون الجديد 031.26، مما يعكس توجها نحو المرونة التدبيرية. كما طرأ تغيير جذري على آلية تعيين المدير، فبينما كان مدير الوكالة يعين من طرف رئيس الجهة بعد فتح باب الترشيح في ظل القانون 111.14، أصبح تعيين مدير الشركة الجهوية في ظل القانون 031.26 يتم بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية. وتحولت المبادرة في إبرام عقود تنفيذ المشاريع والبرامج الوطنية من يد الجهة (كما كان منصوصاً عليه في القانون 111.14) لتصبح بيد الدولة في القانون الجديد 031.26. وتميز القانون 111.14 بمنح الجهات اختصاصات ذاتية واسعة ومتعددة تصل إلى 19 اختصاصاً، في حين جاء القانون 031.26 باختصاصات أكثر تركيزا وتدقيقا، مع تحويل جزء هام منها إلى فئة الاختصاصات المشتركة مع الدولة. وأخيرا، بخصوص الرقابة المالية، انتقلت المنظومة من نظام “مراقبة الدولة على المنشآت العامة” الذي كان مطبقا في القانون السابق، إلى اعتماد نظام “الافتحاص السنوي المشترك” الذي تتولاه المفتشية العامة للمالية بتنسيق مع المفتشية العامة للإدارة الترابية في القانون 031.26.
واستكمالا لتحليل وتوضيح أهم مميزات القانون التنظيمي للجهات، تطرق الدكتور أحمد الحضراني أستاذ باحث بجامعة المولى اسماعيل في مداخلته إلى الإشكاليات والتحديات المحتملة التي قد تواجه تطبيق القانون التنظيمي الجديد رقم 031-26، والتي يمكن أن تؤثر على فعالية الحكامة الترابية. ومن أبرز هذه الإشكاليات مسألة الالتقائية، حيث أشار إلى صعوبة تداخل الاختصاصات بين الدولة والجهة، خاصة في ظل توسيع نطاق الاختصاصات المشتركة، مما قد يؤدي إلى صعوبات في تحديد المسؤوليات وتنسيق الجهود. كما طرح تساؤلات حول كيفية تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية في ظل هيمنة المنطق التدبيري الذي يميز الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع، ومدى فعاليتها في إشراك الساكنة والمجتمع المدني. وأكد على ضرورة مأسسة الرقابة المالية والتدبيرية بشكل فعال لضمان الشفافية والمساءلة، وأبرز الحاجة الملحة إلى كفاءات بشرية مؤهلة لمواجهة الانتقال نحو التدبير بأسلوب الشركات. كما أعرب عن تخوفه من أن يؤدي تركيز المشاريع في الأقطاب الكبرى إلى إهمال المناطق الهشة والنائية، مما قد يفاقم من مشكل العدالة المجالية ويوسع الفوارق الترابية. ورغم إضافة إعداد المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية كاختصاص ذاتي، إلا أن الدكتور أحمد الحضراني أشار إلى أن تنزيل هذا المخطط يمثل تحديا كبيرا يتطلب استثمارات ضخمة وكفاءات متخصصة.
وفي تفاعل آخر، أكد الدكتور عبد المغيت زين الدين أستاذ باحث بجامعة المولى اسماعيل أن القانون التنظيمي 26-031 يمثل مرحلة جديدة في مسار الجهوية المتقدمة بالمغرب، يحمل في طياته مستجدات مهمة تهدف إلى تعزيز فعالية التدبير الترابي. فمن جهة، يسعى القانون إلى تبسيط وتوضيح الاختصاصات، وتحويل آليات التنفيذ إلى هياكل أكثر مرونة وفعالية من خلال الشركات الجهوية. ومن جهة أخرى، يثير هذا التحول عددا من التساؤلات والتحديات الجوهرية المتعلقة بالحكامة الترابية. فتقليص الاختصاصات الذاتية للجهات، وتحويل المبادرة في التعاقد إلى الدولة، قد يثير مخاوف بشأن استقلالية الجهات ودورها كفاعل تنموي مستقل، وقد يحولها إلى مجرد أداة لتنفيذ برامج الدولة. كما أن التحول نحو النموذج “الشركاتي” في تدبير المشاريع، رغم ما يحمله من إيجابيات على مستوى الفعالية والنجاعة، قد يطرح تحديات أمام تفعيل مبادئ الديمقراطية التشاركية والعدالة المجالية، ويتطلب تأهيلا كبيرا للأطر البشرية لضمان حسن التدبير والرقابة.
وقد تناولت مناقشات وتفاعلات الحاضرين مدى قدرة هذه التعديلات على حل الإشكاليات التي واجهت تطبيق القانون السابق، خاصة فيما يتعلق بتحديد الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة، وضرورة توفير الموارد البشرية والمالية الكافية لتنزيل هذه الاختصاصات بفعالية. كما تم طرح تساؤلات حول آليات الرقابة والمحاسبة في تدبير الاختصاصات والموارد، وضرورة تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة لضمان الاستخدام الأمثل للموارد العمومية، والتأكيد على أهمية التكوين المستمر للمنتخبين والأطر الإدارية الجهوية. وركزت المناقشات على تحديات ضمان استقلالية الشركات الجهوية عن التأثيرات السياسية، وتحديد آليات واضحة للتعاقد والتقييم، وضرورة تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، بالإضافة إلى سؤال مصادر التمويل الذاتية للجهات وضرورة تنويعها وتفعيل آليات الجباية المحلية، وإرساء نظام مالي جهوي شفاف وفعال.
وفي الختام، خلصت المائدة المستديرة إلى مجموعة من التوصيات الهامة، كان ابرزها:
- ضرورة استكمال الإطار القانوني والتنظيمي للجهات، والاستثمار في تكوين وتأهيل الأطر والمنتخبين الجهويين؛
- إرساء آليات فعالة للشفافية والمساءلة، والبحث عن مصادر تمويل ذاتية ومبتكرة، وإجراء تقييم دوري ومستمر لتجربة الجهوية المتقدمة؛
- تبني الحلول الرقمية في تدبير الشأن الجهوي؛
وعلى هامش أشغال المائدة، تم توقيع اتفاقية شراكة وتعاون بين الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، بهدف تعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي والتكوين وتنظيم الأنشطة المشتركة. لقد شكلت هذه المائدة المستديرة فرصة قيمة لتبادل الرؤى والأفكار حول موضوع حيوي، وأبرزت أهمية هذه التعديلات في تعزيز مسار الجهوية المتقدمة بالمغرب، وضرورة تضافر جهود جميع الفاعلين لتحقيق الأهداف المنشودة في مجال التنمية الشاملة والمستدامة، حيث تشكل التوصيات والخلاصات خارطة طريق لتعزيز الحكامة الترابية، وتمكين الجهات من الاضطلاع بدورها كاملاً في بناء مغرب الغد.
د.عصام خايف الله