عبد المجيد بوشنفى
ليست المشكلة في أن تتحدث غريتا تونبرغ عن المناخ، ولا في أن تهتم بقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. فهذا جزء أصيل من نشاطها العالمي. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل من قضية المناخ، التي بنت حولها تجربتها وشهرتها، إلى ملف جيوسياسي شديد التعقيد مثل نزاع الصحراء المغربية، اعتماداً على رواية قدمت إليها من زاوية واحدة.
فقد شاركت تونبرغ في يناير 2025 في فعاليات بمخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، ومنذ ذلك الحين أخذت تربط بين قضية الصحراء والعدالة المناخية والاجتماعية. وفي سبتمبر وأكتوبر 2026 ظهر هذا الربط مجدداً في مهرجان زيورخ السينمائي، بالتزامن مع عرض فيلم وثائقي عن الصحراء.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل أصبحت السينما، أحياناً، مدخلاً لإعادة تشكيل النزاعات السياسية في الوعي العالمي؟
السينما ليست بريئة من السياسة، كما أن السياسة ليست غريبة عن السينما. الفيلم الوثائقي قادر على أن يجعل المشاهد يتعاطف مع شخصية، وأن يتبنى زاوية نظرها، وأن يرى التاريخ من خلال تجربتها الشخصية. وهذا حق مشروع للفنان والمخرج، لكنه لا يعفي المشاهد ولا الناشط ولا الإعلامي من واجب السؤال: أين الروايات الأخرى؟ أين السياق التاريخي الكامل؟ وأين الطرف الآخر؟
الفن يستطيع أن يفتح النقاش، لكنه لا يستطيع وحده أن يحسم التاريخ.
وهنا يأتي دور المجتمع المدني المغربي والفنانين والسينمائيين والإعلاميين. المطلوب ليس الدخول في حرب شعارات مع ناشطين دوليين، ولا الرد على فيلم بفيلم دعائي مضاد، وإنما الاستثمار في قوة الصورة نفسها: إنتاج أفلام وثائقية ومشاريع سينمائية ومحتوى رقمي يقدم تاريخ المنطقة وتعقيداتها، ويستضيف مختلف الأصوات، ويترك للمشاهد مساحة للحكم.
فإذا كان الطرف الآخر قد فهم مبكراً قوة الفيلم والصورة والشخصية العالمية في بناء التعاطف، فإن الرد الأكثر فاعلية ليس الغضب من الصورة، وإنما إنتاج صورة أخرى أكثر مهنية وعمقاً وتوثيقاً.
المجتمع المدني أيضاً مطالب بأن ينتقل من رد الفعل إلى المبادرة. فبدلاً من ترك الساحة الدولية للندوات التي تقدم رواية واحدة، يمكن تنظيم لقاءات دولية، واستضافة باحثين ومؤرخين وصناع أفلام، وإنتاج مواد بلغات مختلفة، وفتح نقاش حقيقي حول التاريخ والقانون والإنسان والمناخ والتنمية.
أما السينما المغربية، فلديها مجال واسع للعمل.لماذا لا نرى أفلاماً وثائقية دولية تتناول حياة سكان الصحراء، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي عرفتها المنطقة، ومشاريع التنمية، والبيئة الصحراوية، وتحديات الماء والمناخ، وتجارب الأجيال الجديدة؟
لماذا نترك الآخرين يصورون الصحراء المغربية للعالم، بينما نكتفي غالباً بالاحتجاج على الصورة التي يصنعونها؟
الصورة لا تُهزم بالبيانات الصحفية؛ تُواجه بصورة أقوى وأكثر صدقية.وهنا نصل إلى غريتا تونبرغ نفسها.
ليس من الإنصاف اختزالها في وصف جارح أو التشكيك في نواياها. لكن من حق أي صحفي أو باحث أن يسألها: هل اطلعتِ على الروايات المختلفة للنزاع؟ هل تحدثتِ مع باحثين من مختلف الاتجاهات؟ هل درستِ تاريخ المنطقة قبل أن تربطيها بالعدالة المناخية؟ وهل يمكن لقضية بهذا التعقيد أن تُفهم من خلال تجربة زيارة واحدة ومجموعة من الشهادات؟
فالناشط العالمي، مهما كانت شهرته، يظل إنساناً يتلقى المعلومات من مصادر. ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع عليه وحده، بل أيضاً على من يقدم له المعلومات، ومن يختار له المشاهد، ومن يضع أمامه الكاميرا، ومن يحدد له زاوية النظر.
إن تحويل الصحراء المغربية إلى قضية مناخية واجتماعية قد يمنح الرواية السياسية قوة إضافية في الرأي العام العالمي. وهذا ما ينبغي أن يعيه المغرب، ليس بالانفعال، وإنما بإنتاج المعرفة والصورة والرواية المهنية.
نحن أمام معركة مختلفة: لم تعد معركة خرائط فقط، بل أصبحت معركة روايات وصور وذاكرة ووعي عالمي.ومن يترك الشاشة فارغة، سيجد أن الآخرين سيملؤونها.
أما المجتمع المدني والفنانون والسينمائيون والصحفيون، فدورهم ليس الدفاع عن موقف سياسي بطريقة دعائية، بل تقديم حقيقة متعددة الأصوات، حتى لا يصبح الناشط الدولي أسير الرواية التي وصلته أولاً.وفي النهاية، يمكن اختصار المسألة في سؤال بسيط:
إذا كان الآخرون يوظفون الفيلم والصورة والناشط العالمي لبناء روايتهم، فلماذا لا نوظف نحن السينما والمعرفة والبحث المستقل لبناء رواية مغربية تصل إلى العالم؟
فالمعركة الحقيقية ليست مع غريتا.المعركة مع فراغ الصورة، وفراغ المعرفة، وغياب الرواية المهنية.