القصد بمدرسة فاس الفلسفية، كما كنت قد تحدثت عن ذلك بمناسبة وفاة الأستاذ الباحث محمد مساعد رحمه الله، هو في كونها مدرسة اهتمت بشكل خاص بتحقيق النصوص الفلسفية للمرحلة العربية الإسلامية من تاريخ الفلسفة، وكان محور هذه الدراسات ابن رشد لكونه يعتبر ملتقى الطرق الفلسفية العالمية، فمن خلاله يمكن قراءة المراحل الثلاث السابقة عليه، وأيضا قراءة ما سيقع على مستوى الفكر الإنساني سواء في المرحلة السكولاستيكية الأوروبية التي نشأت في القرن 13م، أي مباشرة بعد وفاته، أو الفكر الذي سيسود في مغرب القرنين 13م و14م على يد ابن المراكشي، الذي سيتجاوز بأعماله الرياضية النسق الأرسطي ـ الرشدي السابق عليه.
اهتمامات محمد قشيقش التي تهمنا هنا وتهم مدرسة فاس في تاريخ الفلسفة، تتعلق بالأساس بالأعمال الجادة والرصينة التي خصصها للفارابي، الفيلسوف الذي كان له التأثير الكبير في الغرب الإسلامي، ليس على ابن رشد فحسب الذي صرح بأن من أراد أن يفهم فلسفته فعليه بالأعمال المنطقية للفارابي، بل للسابقين على ابن رشد كذلك وعلى الخصوص ابن باجة الذي تتلمذ ابن رشد على كتاباته خصوصا ما يتعلق منها بنظرية الاتصال والصياغة الأولى لإشكالية العقل الرشدية التي سيكون لها ما بعدها والمنطق.
وهكذا نجد لمحمد قشيقش رحمه الله تعاليق ابن باجة على كتاب العبارة للفارابي، حيث انه بتحقيقه لهذا الكتاب عبر عن وفاءه لروح مركز الدراسات الرشدية الذي كان من بين أهدافه، كما أسس لذك مؤسسه المرحوم رشدي راشد والمجموعة التي آمنت بمشروعه الفكري من مختلف الجامعات الدولية الجادة سواء في المانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية التأصيل للدراسات الرشدية وذلك بالكشف عن مصادرها.
ومن بين هذه المصادر، الأعمال المنطقية لسلفه ابن باجة كما قلنا، فتعاليق ابن باجة على كتاب العبارة للفارابي الذي نشره محمد قشيقش رحمه الله ، هو جزء من تعاليق ابن باجة على أعمال الفارابي المنطقية التي شملت الايساغوجي والمقولات والعبارة وقضايا من كتابي القياس والبرهان.
والانتباه للأعمال المنطقية للفارابي من قبل محمد قشيقش رحمه الله، هو انتباه للدور المركزي للمعلم الثاني في فرض كتاب البرهان لأرسطو كآلية للتحليل الفلسفي بامتياز امتدت من عهده وتكرست في الغرب الإسلامي بالخصوص الذي كانت تقاس فيه درجة التمكن من الفلسفة بدرجة التمكن من المنطق وتطبيقه في مجالات النظر الفلسفي بالخصوص العلمين الطبيعي وما بعد الطبيعة، والتي بلغت أوجها بطبيعة الحال مع ابن رشد، الذي انتقلت بعد ذلك أعماله إلى أوروبا فعملت على المساهمة في نهضتها.
أما العمل الثاني الذي أريد أن أشير إليه هنا في هذه العجالة، فهو تحقيقه لشرح الفارابي لصدر المقالة الأولى وصدر المقالة الخامسة من كتاب الأصول لأوقليدس، فهذين النصين القصيرين من أهم النصوص التي نتوفر عليها في التراث العلمي والفلسفي للمرحلة العربية الإسلامية من تاريخ العلوم، فكل من تطرق سواء إلى المشاكل التي تثيرها التعريفيات أو المسلمات أو البديهيات التي تناولها أوقليدس في المقالة الأولى من كتابه الأصول لأوقليدس إلا وتناولها من الزاوية الرياضية البحثة كابن الهيثم والخيام.
بينما تناول الفارابي لها مختلف، وكأنه كان يحاول إقامة جسور أهملها أوقليدس بين الرياضيات والمنطق والعلم الطبيعي، حيث أنه لم يتناول كل التعريفات التي تطرق إليها انطلاقا من طرق تشكل الكليات العقلية ككائنات مجردة، بل انطلاقا من العلاقة الرابطة بين الحواس والخيال والعقل في تشكلها وهو ما لم يكن يهتم به أوقليدس، ومن هنا قد تكون هذه الكتابات بمثابة مقدمات ممهدة لقيام فلسفة للرياضيات، حيث أنه من الطريف ان الفارابي استعان في مناقشة التعريفات الأوقليدية بقضايا من أجزاء العلم الطبيعي تعود إلى السماع الطبيعي والسماء والعالم والكون والفساد، والغرض هو إيجاد الجسور بين الوجود الطبيعي للأشياء والوجود الرياضي المجرد لها، وهو الموضوع الذي حاز بالاهتمام في منطقتنا أيضا ولكن من منظور آخر أكثر تجريدا من قبل ابن البنا المراكشي من خلال تعميق النظر في العلاقة بين ما هو موجود في الأذهان وما هو موجود في الأعيان. وبالجملة من خلال تعليق الفارابي على المقالة الأولى نكون أمام تدشين تيار نقدي يقرأ الأسس الأوقليدية بمعايير المنطق والعلم الطبيعي لأرسطو والتيار المشائي في الفلسفة.
اما الاهتمام بصدر المقالة الخامسة من أوقليدس فيندرج أيضا في إطار محاولة تطبيق المعايير المنطقية الصارمة في المجال الرياضي، حيث يستعمل الفارابي مفاهيم الجنس والنوع في حصر الأشياء الرياضية التي تطبق في النسبة، حيث حصر أجناس الهندسة في الخط والسطح والمجسم، مبينا طرق النسبة بينها وما تثيره من إشكالات وصعوبات، وهو ما أثار كثيرا من الاجتهادات داخل تاريخ الرياضيات وعلاقتها بالمنطق، فوجهة نظر الفارابي والتي تنتصر للمنطق الأرسطي تفترض التجانس في التناسب، بينما الاعتماد على التناسب دون افتراض ضرورة التجانس، هو الذي مهد للاعتماد على المقالة الخامسة لأوقليدس كآلية أساسية للعلوم في القرن 17م بعد ان مهد لذلك ابن البنا المراكشي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وبذلك تم تطبيق نظرية النسبة والتناسب في مجالات الثورة العلمية للقرن السابع عشر الميلادي، من خلال اعتبار كل العلوم جنسا واحدا لا أجناسا متباينة.
لقد كان للفارابي تأثير كبير من فكر الغرب الإسلامي، يكفي أن أشير هنا أنه وبتأثير من الفارابي، رياضيان مرموقان من الغرب الإسلامي قسما كتابيهما، لا إلى أبواب وفصول كما هو معمول به، بل إلى أجناس وأنواع الأول هو المؤتمن بن هود في كتابه الهندسي الضخم الاستكمال والثاني ابن منعم العبدري في كتابه فقه الحساب.
رحم الله الفقيد محمد قشيقش الذي ظل وفيا لروح مركز الدراسات الرشدية الذي مهما طال الزمن سيعود إلى بريقه الأول ومهمته كما عمل على ذلك الفقيدان جمال الدين العلوي ومحمد مساعد.
محمد أبلاغ 26 نونبر 2025. / الفايسبوك/