آخـــر الأخبـــار

قراءة سوسيولوجية :أزمة العبور الجماعي الأخيرة نحو سبتة تكشف عن موت التاطير الحزبي وهيمنة الخوارزميات والصفحات الافتراضية

 تثبت أحداث سبتة الأخيرة الأطروحة السوسيولوجية التي تقول: “كلما اتسعت الفجوة بين تطلعات الشباب الرقمية وواقعهم السوسيو-اقتصادي، كلما انهارت قدرة السياسة التقليدية على الكلام والتأطير، مفسحة المجال إما لعفوية الحشود الجارفة أو للمقاربات الأمنية الصرفة”

تُعتبر أزمة العبور الجماعي الأخيرة نحو سبتة المحتلة (يوليو/أغسطس 2026) صدمة سوسيولوجية وميدانية غير مسبوقة، حيث تدفق نحو 60 ألف شخص (معظمهم من الشباب والقاصرين المغاربة إلى جانب جنسيات أخرى) نحو الجيب الخاضع للإدارة الإسبانية في بضعة أيام. 
عند ربط هذه الأزمة المأساوية –التي أسفرت عن عشرات الوفيات غرقاً– بـ “صمت الفعاليات السياسية”، يمكننا تحليل المشهد سوسيولوجياً عبر ثلاثة أبعاد تفكك هذا الترابط: 
1. صدمة “الفراغ السياسي” وتجاوز الوساطة التقليدية :
    • موت التأطير الحزبي: كشفت الحشود البشرية المتدفقة سباحة وعبر الحدود أن مؤسسات الوساطة التقليدية (الأحزاب السياسية، النقابات، والمنتخبون المحليون) تعيش حالة عزلة تامة وعجز عن التأطير. لم تكن هناك أي هيئة سياسية قادرة على استباق الحدث أو التحاور مع هؤلاء الشباب لتثنيهم عن المغامرة. 
    • الحشود الافتراضية الذكية: تحركت الحشود بناءً على ما وصفته وزارة الداخلية المغربية بـ “الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي وترويج معلومات مضللة”. السيطرة هنا انتقلت من “الزعيم السياسي” التقليدي إلى الخوارزميات والصفحات الافتراضية، مما جعل الفعاليات السياسية تلتزم الصمت لكونها لم تعد تملك أدوات التأثير في فضاء رقمي عابر للرقابة التقليدية. 

2. الصمت كـ “استراتيجية دفاعية” وخوف من الوصم :
    • تفادي “الركوب” أو المواجهة: التزمت النخب والفعاليات السياسية الصمت في بداية الأزمة لعجزها عن تبني مطالب الحشد (اليأس الاقتصادي، البطالة التي بلغت 13%، والرغبة الجماعية في الرحيل)؛ فالاعتراف بمشروعية مطالب الحشد يضع الأحزاب في مواجهة مع الدولة، وإدانة الحشد تضعهم في مواجهة مع تعاطف الرأي العام الشعبي. 
    • الانتظارية السياسية: تفرض سيكولوجية حشود بهذا الحجم الهائل (60 ألف شخص في فضاء جغرافي ضيق) تراجع الخطاب السياسي لفائدة المقاربة الأمنية والجهود الدبلوماسية المشتركة بين الرباط ومدريد لإعادة المهاجرين. تجد الفعاليات السياسية نفسها مجرد “متفرج” ينتظر ما ستسفر عنه حوكمة الأزمة بين الدولتين.

3. دلالات الصمت من منظور سوسيولوجيا التنمية :
    • الاعتراف الضمني بالفشل التنموي: يُفسر الصمت المتأخر لبعض الفعاليات، أو الصدمة التي سادت النقاش السياسي، كنوع من الاصطدام بالواقع البنيوي. تقارير سابقة (مثل تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي) أشارت إلى وجود 1.5 مليون شاب مغربي خارج التعليم والعمل. فطوفان سبتة البشري جعل الخطاب السياسي التقليدي حول “المنجزات” يبدو متجاوزاً أمام هول المشاهد والصور الصادمة.
    • الصمت القسري من الحشد نفسه: هؤلاء الشباب لم يخرجوا بـ “شعارات سياسية” أو لافتات حزبية؛ بل تحركوا بدافع يأس اقتصادي ورغبة في العبور. في هذا النوع من الحشود، يُفرض الصمت قسرياً على أي فاعل سياسي يحاول التدخل، لأن الجماهير ترى في النخب السياسية جزءاً من المشكلة (أزمة ثقة) وليست جزءاً من الحل.

تثبت أحداث سبتة الأخيرة الأطروحة السوسيولوجية التي تقول: “كلما اتسعت الفجوة بين تطلعات الشباب الرقمية وواقعهم السوسيو-اقتصادي، كلما انهارت قدرة السياسة التقليدية على الكلام والتأطير، مفسحة المجال إما لعفوية الحشود الجارفة أو للمقاربات الأمنية الصرفة”

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *