
بقلم السيد : وعويشة سمير
صحفي متدرب
يواجه المغرب، المشهور بثقافته النابضة بالحياة ومناظره الطبيعية المتنوعة، أزمة بيئية متصاعدة و تحديات غير مسبوقة مع ظاهرة التصحر المعقدة. وزحف الظروف القاحلة على المناطق التي كانت خصبة ذات يوم. له آثار بعيدة المدى مما يؤثر على الزراعة والموارد المائية والتنوع البيولوجي. وتكشف آخر التحديثات والإحصاءات عن واقع مزعج، مما يدفع السلطات إلى الاهتمام العاجل وإعادة تقييم القوانين الحالية لمعالجة هذه القضية الملحة. وتشكل هذه الظاهرة، التي يغديها مزيج من التغيرات المناخية، وممارسات إدارة الأراضي غير المستدامة، والضغوط السكانية، تهديدا كبيرا للنظام البيئي في البلاد ورفاهية شعبه.
تغير المناخ والتصحر:
يلوح شبح تغير المناخ بشكل كبير فوق المغرب، مما يؤدي إلى تفاقم التصحر من خلال فترات الجفاف الطويلة، وعدم انتظام هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة. وتغير هذه التحولات أنماط هطول الأمطار التقليدية، مما يفرض ضغطًا إضافيًا على النظام البيئي الذي يكافح بالفعل من أجل التكيف. وتتحمل الزراعة، العمود الفقري للاقتصاد المغربي، وطأة التصحر. ويؤدي تدهور التربة وانخفاض الخصوبة إلى إعاقة إنتاجية المحاصيل، مما يعرض الأمن الغذائي للسكان الذين يعتمدون بشكل كبير على الزراعة للخطر. وتشير البيانات الأخيرة إلى تسارع مثير للقلق في ظاهرة التصحر في مختلف مناطق المغرب. وتشهد المناطق المتضررة تراجعا ملحوظا في الغطاء النباتي، إلى جانب زيادة في الأراضي القاحلة، مما يشكل تهديدات وشيكة للزراعة والتنوع البيولوجي والموارد المائية. وبحسب المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، فقد ارتفعت نسبة التصحر بنسبة 15% خلال العامين الماضيين فقط. ويؤكد هذا الاتجاه المثير للقلق الحاجة إلى اتخاذ إجراءات سريعة وشاملة للحد من اتساع المناطق الجافة والقاحلة والرعي الجائر وسوء إدارة الأراضي. كما أن الممارسات غير المستدامة في إدارة الأراضي، والرعي الجائر للماشية يساهمان بشكل كبير، في التصحر أيضا. وكثيراً ما يتعرض التوازن الدقيق بين احتياجات الإنسان والحفاظ على البيئة للخطر، مما يؤدي إلى أضرار لا يمكن إصلاحها للأرض.

الآثار الزراعية وتأثير ندرة المياه:
تتجلى معركة المغرب ضد التصحر البيئي بشكل صارخ في تأثير ندرة المياه على الإنتاجية الزراعية. وفقاً للإحصائيات الأخيرة، يعتمد 85% من سكان المغرب على الزراعة في معيشتهم. ومع ذلك، فإن تناقص موارد المياه، الذي تفاقم بسبب تغير المناخ، أدى إلى انخفاض بنسبة 30٪ في غلات المحاصيل خلال العقد الماضي، مما أثر بشكل كبير على الأمن الغذائي للبلاد. وتؤدي ندرة المياه إلى تفاقم تأثير التصحر، حيث يؤثر تضاؤل الموارد المائية على المناطق الريفية والحضرية على السواء. وتواجه السدود وأنظمة الري ضغوطا متزايدة، كما أن مصادر المياه التقليدية تجف، مما يشكل تحديات أمام المجتمع المغربي الذي يعتمد على الزراعة باعتباره بلد فلاحي. وتسلط هذه الأرقام المثيرة للقلق الضوء على الحاجة الملحة إلى ممارسات الإدارة المستدامة للمياه وتؤكد العلاقة التي لا تنفصم بين ندرة المياه والتحديات التي يفرضها التصحر. وبينما يتصارع المغرب مع هذه الحقائق، تصبح الحلول المبتكرة والجهود المتضافرة ضرورية لحماية الاستدامة الزراعية ورفاهية المجتمع. كما يهدد التصحر التنوع البيولوجي الغني للمغرب، مما يدفع العديد من الأنواع النباتية والحيوانية إلى حافة الانقراض. وتتعطل النظم البيئية، وتُفقد الموائل، مما يزيد من تفاقم التحديات التي تواجهها جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي للمملكة المغربية.
المبادرات الحكومية:
تدرك الحكومة المغربية الحاجة الملحة لمعالجة التصحر ونفذت مبادرات لمكافحة آثاره. وتهدف مشاريع إعادة التشجير، وممارسات الإدارة المستدامة للأراضي، وحملات التوعية العامة إلى عكس مسار التدهور البيئي حيث قام المغرب في سعيه لمكافحة الظاهرة، بالشروع في تنفيذ مشاريع طموحة لإعادة التشجير. وتشير البيانات الأخيرة إلى أنه على مدى السنوات الخمس الماضية، نجحت البلاد في زراعة أكتر من 500 ألف هكتار من الغابات الجديدة. ولم تساهم هذه الجهود المتضافرة في زيادة الغطاء النباتي بنسبة 15% فحسب، بل أدت أيضًا إلى انتعاش ملحوظ في التنوع البيولوجي، مع زيادة مسجلة بنسبة 25% في وجود الأنواع النباتية والحيوانية المستوطنة. وتؤكد هذه الإحصاءات العلاقة الإيجابية بين مبادرات إعادة التشجير والحفاظ على التنوع البيولوجي. ويعد التزام المغرب باستعادة النظام البيئي من خلال زراعة الأشجار الاستراتيجية بمثابة مثال ملموس على الكيفية التي يمكن بها للتدابير الاستباقية أن تسفر عن فوائد بيئية قابلة للقياس، مما يوفر الأمل في التجديد البيئي المتأثر بالتصحر. واستجابة للأزمة المتصاعدة، أصدر المغرب عدة تدابير تشريعية لمكافحة التصحر وتعزيز الإدارة المستدامة للأراضي. وتحدد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التصحر، التي تم تقديمها في عام 2022، نهجا متعدد الأوجه يهدف إلى استعادة الأراضي المتدهورة، وتعزيز إدارة المياه، وتعزيز المشاركة المجتمعية. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة في تنفيذ هذه القوانين، حيث يشير المنتقدون إلى الحاجة إلى تطبيق أكثر صرامة وزيادة الدعم المالي للمواطنين المتضررين. وإدراكا لأهمية المشاركة المحلية، يعمل المغرب على تكثيف الجهود لإشراك المجتمع المدني في ممارسات الإدارة المستدامة للأراضي. ويشمل ذلك البرامج التعليمية والدورات التدريبية وتحفيز المجتمع على تبني ممارسات تخفف من التصحر. ويُنظر إلى نجاح هذه المبادرات الشعبية على أنها أمر محوري في المعركة ضد زحف الظروف القاحلة. وعلى الرغم من هذه المبادرات، تواجه المملكة تحديات مستمرة، بما في ذلك الضغط السكاني والآثار غير المتوقعة لتغير المناخ. ويؤكد الخبراء ضرورة التكيف المستمر والاستراتيجيات المبتكرة لمعالجة الطبيعة المتطورة للتصحر.

التعاون والاتفاقيات الدولية:
يشارك المغرب بنشاط وفعالية في التعاون الدولي ويسعى للحصول على الدعم لمعالجة قضية التصحر المعقدة. وتعمل الشراكات التي يبرمها المغرب مع المنظمات العالمية والدول المجاورة على تسهيل تبادل المعرفة والموارد وأفضل الممارسات. حيث تشارك بلدنا بحزم ونشاط في المبادرات العالمية لمعالجة التصحر. ويؤكد التزام البلاد باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) اعترافها بالطبيعة العابرة للحدود لهذه القضية. ويجلب التعاون الدولي مساعدات مالية وخبرة فنية، مما يمكّن المغرب من الاستفادة من مجموعة أوسع من الموارد لمعالجة التصحر. ونحث الحكومة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، على تعزيز الجهود لضمان التنفيذ الفعال للسياسات القائمة.
وبينما يواجه المغرب أزمة التصحر بشكل مباشر، يظل اتباع نهج شامل وديناميكي يشمل الحكومة والمجتمع المدني والتعاون الدولي أمرا بالغ الجدية. و إن تمكن السكان المحلين من معرفة الظاهرة جيدا، لأمر بالغ الأهمية في مكافحة التصحر. ومن الممكن أن يساهم تسخير معارف السكان الأصليين وإشراكهم في ممارسات الإدارة المستدامة للأراضي في تعزيز القدرة على التحمل على المدى الطويل واستعادة البيئة. و في ظل هذه الظروف التي تجعل المملكة مجبرة على التصارع مع تحديات التصحر، أصبح من الضروري اتخاد قرارات و إجراءات شاملة تشمل كل المكونات المؤسساتية الوطنية والدولية وإشراك المجتمع المحلي في إجاد الحلول العاجلة لإيقاف هذه المعضلة البيئية. إذ تقف الأمة عند منعطف حرج حيث يمكن للجهود المتضافرة أن تمهد الطريق لمستقبل مستدام، والحفاظ على تراثها الطبيعي والبيئي للأجيال القادمة.