الترشيح المشترك لكتاب “المقدمة” لـ ابن خلدون إلى سجل “ذاكرة العالم” التابع لمنظمة اليونسكو يثير الكثير من الجدل الهوياتي والثقافي…

سعيدة شريف
أثار الترشيح المشترك لكتاب “المقدمة” لابن خلدون إلى سجل “ذاكرة العالم” التابع لمنظمة اليونسكو، والذي تقدمت به تونس في 23 من شتنبر 2026 بالشراكة مع الجزائر ومصر وتركيا، والذي يغيب عنه المغرب، الكثير من الجدل الهوياتي والثقافي عبر وسائط التواصل الاجتماعي في العديد من الأوساط الثقافية والفكرية بالمنطقة المغاربية، حول هذا الإرث الإنساني العالمي الذي يتجاوز الحدود المغاربية.
ففي الوقت الذي يرى فيه التونسيون أن ترشيحهم المشترك فيه تنازل عن رمز وطني خالص، وأنه كان من اللازم الاقتصار على ترشح تونس لوحدها دون إقحام أطراف أخرى، وهو الجدل الذي وصل إلى البرلمان التونسي، نجد أن الباحثين المغاربة المتخصصين يستغربون لغياب المغرب غير المبرر عن هذا الترشح المشترك، لأن ابن خلدون قضى جزءا مهما من حياته المهنية والفكرية في مدينة فاس، وعمل كاتبا في البلاط المريني وشارك في تدبير شؤونه السياسية، وكتب أجزاء مهمة من المقدمة في تلك المدينة، التي ما زالت تحتفظ على المنزل الذي أقام فيه في تلك الفترة.
وهو ما يدل على أن المغرب حلقة وصل جغرافية وتاريخية رئيسية في رحلة ابن خلدون لا يمكن الاستغناء عنها.
ويستند هذا الترشيح المشترك للبلدان الأربعة ضمن دورة 2026-2027 من برنامج “ذاكرة العالم” لمنظمة اليونسكو، كما جاء في بيان للباحث التونسي عبد الحميد الأرقش، المنسق العام للجنة الدولية لدعم تسجيل “المقدمة” في سجل “ذاكرة العالم”، إلى الطابع متعدد البلدان للتراث المخطوط المرتبط بـ”المقدمة”، إذ إن عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون كتب مؤلفه الضخم على مراحل متعددة خلال تنقلاته بين تونس والجزائر والمغرب ومصر، كما توجد نسخ ومخطوطات منه في عدد من البلدان، من بينها تركيا، التي تمتلك أقدم المخطوطات، بينما شهدت الجزائر كتابة النواة الأولى للمقدمة، ومصر شهدت سنواته الأخيرة.
وبما أن هذا الترشيح يقوم على أساس توفر تلك البلدان على نسخ أصلية من المخطوط وعلى تنقل المؤلف بين تلك البلدان، فإن المغرب كان يتوفر إلى عهد قريب على مخطوط أصلي لمقدمة ابن خلدون، قدمه المؤلف نفسه إلى السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز ممهورا بإهداء منه، وهو ما تحفظه العديد من المصادر الغربية منذ القرن السابع عشر، ويذكره المتخصصون في الدراسات الخلدونية بالمغرب، ويؤكده من قاموا بتحقيق مقدمة اين خلدون، وعلى رأسهم الدكتور عبد السلام الشدادي، المتخصص في فكر ابن خلدون وأعماله وسيرته، وأكده أيضا البرنامج الوثائقي المغربي “ذاكرة المدن” على لسان العلامة والمؤرخ الراحل محمد التازي سعود.
فهل أضاع المغرب النسخة الأصلية من “المقدمة” المهداة إلى السلطان المريني؟ ولمَ لم ينضم إلى فريق الترشيح المشترك لمقدمة ابن خلدون إلى سجل “ذاكرة العالم”لمنظمة اليونسكو؟ وهل تقلب خزانة القرويين في العقود الأخيرة بين التبعية لوزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي ثم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ 2015 إلى الآن، قد أدى إلى ضياع تلك المخطوطة المهمة؟

المغرب وضياع المقدمة
فإذا كانت تركيا التي تضم مكتباتها بإسطنبول (مثل مكتبة السليمانية ومكتبة عاطف أفندي) النسخ الأكثر اكتمالا من المقدمة، وبعضها يحمل خط يد ابن خلدون نفسه وإجازاته وتعديلاته الأخيرة، ومصر: المكان الذي قضى فيه ابن خلدون سنواته الأخيرة ونقح فيه كل مؤلفاته ومن مضمنها المقدمة، وتونس موطن مولده وتكوينه، والجزائر، باعتبارها المكان الذي اعتكف فيه لتأليف المقدمة (في قلعة بني سلامة)، فإن غياب المغرب ودول أخرى ارتبط بها ابن خلدون عن هذا الترشيح المشترك أثار استغراب العديد من المهتمين، خاصة أن المغرب شكل محطة مهمة في مسيرة ابن خلدون السياسية والفكرية، كما أن مدينة فاس كانت المكان الذي كتب فيه أجزاء مهمة من المقدمة التي أهدى نسختها الأصلية إلى السلطان المريني.
لم يكن المغرب ضمن الدول الرسمية المتقدمة بالملف المشترك لتسجيل “مقدمة ابن خلدون” في سجل “ذاكرة العالم” لليونسكو، والذي اقتصر على كل من تونس والجزائر ومصر وتركيا، وهذا ما أكده شرف احميمد، مدير المكتب الإقليمي لليونسكو لدى الدول المغاربية، الذي يرى أن “عدم حضور المغرب ضمن هذه الترشيحات المشتركة يعود إلى الدول التي تقدمت بالملف، وليس إلى قرار أو استبعاد من طرف اليونسكو”، موضحا أن نتائج الترشيحات المقدمة إلى السجل الدولي لذاكرة العالم لم تعلن بعد، وبالتالي لا يمكن في هذ…