آخـــر الأخبـــار

الملكية في المغرب..اكثر من مؤسسة، إنها وجدان أمة.

 

 

ليست الملكية في المغرب مجرد مؤسسة دستورية تؤدي وظائف سياسية محددة، ولا هي فقط جزء من بنية الدولة الحديثة؛ إنها، بالنسبة إلى  المغاربة، جزء من البناء الفكري والنفسي والتاريخي الذي تشكل عبر قرون، وتداخل مع الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي.
فالعلاقة بين المغاربة والملكية لم تبدأ مع الدستور الحديث، بل تمتد إلى عمق التاريخ المغربي، حيث ارتبط نظام الحكم بمفهوم البيعة، وبفكرة استمرار الدولة ووحدتها، وبوجود رمز يجسد في الوعي الجماعي استمرارية البلاد رغم التحولات والصراعات التي عرفتها المنطقة.
ولهذا يصعب قراءة الملكية في المغرب بالمنطق السياسي وحده. فهناك جانب وجداني ورمزي حاضر في العلاقة بين المواطن والمؤسسة الملكية، تشكل عبر التاريخ، وتغذيه الذاكرة المشتركة للأجيال. فالملك، في المخيال المغربي، ليس فقط رئيساً للدولة، وإنما يمثل أيضاً رمزاً لوحدة البلاد واستمراريتها.
وقد ساهم التاريخ الحديث في ترسيخ هذا المعنى. فمرحلة الحماية، ثم معركة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، جعلت المؤسسة الملكية حاضرة في سردية استعادة السيادة والوحدة الوطنية. ومن ثم أصبحت الملكية مرتبطة، في الوعي العام، بفكرة الدولة المغربية ذاتها، وليس فقط بالحكومة أو بالتدبير السياسي اليومي.
وهنا تكمن إحدى خصوصيات التجربة المغربية: الحكومات تتغير، والأحزاب تتبدل، والبرامج السياسية تتعاقب، لكن المؤسسة الملكية تظل بالنسبة إلى المغاربة عنواناً للاستمرارية.
ولا يعني ذلك أن العلاقة بين المجتمع والملكية علاقة جامدة أو خارج النقاش العمومي. فالمجتمع المغربي تغير، والأجيال الجديدة لها انتظارات مختلفة، والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أصبحت أكثر تعقيداً. ولذلك فإن قوة المؤسسة لا تقاس فقط بما راكمته من رصيد تاريخي، وإنما أيضاً بقدرتها على مواكبة تحولات المجتمع والاستجابة لانتظاراته.
إن الملكية، بهذا المعنى، ليست مجرد موروث تاريخي، بل مؤسسة تعيش داخل الحاضر وتتفاعل مع المستقبل. وكلما استطاعت أن تجمع بين رمزية التاريخ ومتطلبات العصر، وبين الاستمرارية والإصلاح، وبين وحدة الدولة وانتظارات المجتمع، حافظت على موقعها المركزي في الحياة الوطنية.
ولعل فهم الملكية المغربية يتطلب، في النهاية، تجاوز القراءة السياسية الضيقة. فالملكية موجودة في التاريخ، لكنها أيضاً حاضرة في الذاكرة، وفي المخيال، وفي الثقافة السياسية للمغاربة. ولذلك فإن الحديث عنها لا يتعلق فقط بشكل من أشكال الحكم، وإنما يتعلق بجزء من الطريقة التي يرى بها المغاربة دولتهم وتاريخهم ووحدتهم ومستقبلهم.
إنها، باختصار، مؤسسة سياسية بامتداد تاريخي، ورمز وطني بعمق وجداني، وعنصر أساسي في البناء الذي تشكلت داخله الشخصية السياسية المغربية عبر الزمن.

عبد المجيد بوشنفى

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *