آخـــر الأخبـــار

تجاوزات التصحيح ..واغتيال أحلام التلاميذ..!!

الكاتب: احمد اليعقوبي / أستاذ لمادة الرياضيات..

يصعب  على الدارس لواقع التعليم ببلادنا حصر مجالات التسيب وعوالم التردي التي تحيط بهذا الواقع ، فهناك الهدر المدرسي  و الاكتظاظ و التخلف اللغوي  وظاهرة الغش و تسريبات الامتحانات و إشكالات نقط المراقبة  والدروس الخصوصية ،،،وهلمجرا

وما دمنا نعيش موسم امتحانات الباكالوريا فلنتوقف عند موضوع التصحيح الذي نال قدرا مهما من الاستنكار وبعت على طرح جملة من التساؤلات حول واقعه و شروطه ونتائجه،،

وهدا الأمر ليس بالهين و لا يقبل الاختزال ، بل ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد من مختلف النواحي لكونه يهم شريحة من تلامذتنا فاق عددها هذه السنة 400 الف ، و اذا اعتبرنا أن كل تلميذ مرتبط بأسرة و محيط اجتماعي ، أدركنا أهمية الفئات المتعلقة بهذا الحدث ومن ثمة تكون صفة الأسثحقاق الو طني ،المنسوبة للباكالوريا ،غير مبالغ فيها،،

1/ تصحيحنا الحالي

التصحيح بأسلوبه الحالي ” العتيق ” يمكن اعتباره الداء الصامت الذي يسري في كيان الباكالوريا ،،والفيروس القاتل لاحلام عدد من ابنائنا..

فمباشرة بعد صدور النتائج ارتفعت أصوات عدد من التلاميذ رافضة النقط المنسوبة إليهم ومشككة في مصداقية العملية التصحيحية و ذلك قياسا لجهود و أداء هؤلاء التلاميذ خلال حصة الاختبار،،

و إذا كان لا بد من أخد شكايات التلاميذ بكل جدية ، فتجدر الإشارة  أولا إلى أن هؤلاء ليسوا جميعهم صادقين أو كلهم مبالغين في ادعاءاتهم …

أكيد ان البعض وجد في التصحيح مشجبا مناسبا لتعليق فشله أو لتبرير تراجعه في مواجهة الإحراج أمام ذويه أو أقرانه،، لكن الأكيد أيضا أن فئة من تلامذتنا تضررت من هذه العملية بحكم وجود تجاوزات متعددة و متنوعة منها ماهو  موضوعي وما هو ذاتي ،،و سيستمر هذا الضرر مالم تتم مراجعة نظام التصحيح برمته من خلال إرساء بديل له يأخذ بعين الاعتبار كل النقائص الحالية..

والغريب ان الوزارة تتلقى كل سنة ، عقب صدور النتائج ، الالاف من طلبات اعادة التصحيح  ..لكنها ، بدل البحث في تطوير العملية من اجل ايقاف هذا النزيف السنوي ، تجدها تتجاهل الامر وتراهن عن هدوء العاصفة ..

2   /تصرفات مرفوضة..

يقوم هذا النظام على إسناد كمية من أوراق التحرير  للأستاذ  ( بين40 و 100  أو أزيد )  وينعزل هذا الأخير  في طاولة تلميذ اعتبرها مكتبا، بمدرسة سميت مركزا  و ينتظره بعد يومين أو ثلاثة لإنهاء المهمة رئيس مركز ويساعده عدد من الإداريين،،بعدها يغلق ظرف الأوراق المرفق بورقة النقط ، المعتمدة من قبل المصحح الوحيد،، لينتقل العمل إلى مرحلة المسك على مستوى الأكاديمية ،،وقد تجددت هذه العملية مؤخرا وأصبح الأستاذ يدخل نقطه مباشرة  …

وخلال فترة التصحيح ، تحدث من الظواهر ما يندى له الجبين ،،حيت ” تخف” أيادي البعض

و” تطحن” ما بينها من أوراق في زمن قياسي ، و تجد أصحابها فرحين و مزهوين ، و قد يسخرون من البطيئين “المساكين” الدين يصارعون صعوبات التصحيح ،رحمة بالتلاميذ و توجسا من الوقوع في الأخطاء..

وقد تجد رئيس المركز منبهرا ومستغربا  و أحيانا “يحك ” رأسه حائرا أمام الفارق المهول بين السرعة الجنونية و البطء الثقيل لممارسي التصحيح ،، هدا فضلا عن “التطاول المريب ” لبعض هواة التصحيح الدين جعلوا منه موسما مربحا حتى لو كان مخزونهم الصحي و النفسي يتنافى مع عدد الأوراق الذي سعوا إليه ، حيث  يترامون على أظرفة لأساتذة آخرين تأخروا عن الموعد لظروف خاصة أو تكاسلوا عن المهمة، مستغلين تساهل الإدارة مع تغيير اسم المصحح،    على اعتبار أن الأساتذة سواسية أمام الواجب.. فلا يهم هل صحح فلان أو فلان ،و لا وجود لمصحح جيد و أخر سيئ ، مادام التصحيح يتم بكيفية فردية و سرية ومراقبة جد محدودة .. عكس  عملية التدريس حيت تستحضر الإدارة الفوارق البيداغوجية بين الأساتذة و مدى الأهلية والكفاءة   لتدريس هذا القسم من ذلك .

طبعا ، كل هذا ، من شأنه أن ينعكس سلبا على مصلحة التلميذ التي تقتضي الاستحضار الأقصى للضمير التربوي ..وهو الأمر الذي مازال متوفرا لدى غالبية الأساتذة ..وإن انعدم  عند أقلية..

و من  عجائب المصححين  ما يتذكره بعض زملائي كنكتة حقيقية مؤسفة  ، قبل 5 سنوات ،  مصحح الفلسفة  المغوار ( صاحب الرقم القياسي العالمي ! ) الذي تغلب على ألف ورقة في أقل من3 أيام..حيث أنجزها، بالتمام والكمال، بسرعة 48ثانية للورقة،،و العهدة على بعض الظرفاء  من الراسخين في الحساب والتدقيق !!

يلاحظ أيضا كيف يسعي البعض بكل الطرق الملتوية  ، لتصحيح أوراق عادة ما تكون منعدمة أو قليلة الإجابة ،،كما هو الحال بالنسبة للرياضيات ،امتحان الجهوي ،أو الثانية باك أحرار /مادة الرياضيات،،فهده الأوراق شبه الفارغة تسيل لعاب سيئي الذكر لأن تعويضها المادي يساوي قيمة نفس عدد الأوراق في مادة ما يكتب بها التلميذ أزيد من 6 أوراق كاملة.. (علوم رياضية مثلا )..بل كنا نشاهد أحيانا مفتشين يستفيدون منها !

كما لم يسلم بعض رؤساء المراكز من فعل التجاوزات ،،حيت يتصرف هؤلاء بأساليب غير سليمة حركت حفيظة عدد من المصححين و أترث عل نفسيتهم مما دفع البعض من هؤلاء إلى تقديم شكايات للنيابة  المعنية ..وبالمقابل يستهجن عدد من هؤلاء الرؤساء  “تمرد ” عدد من المصححين وتراخي بعضهم وانتقاصهم من قيمة مسؤوليتهم . أما الرافضون/المترفعون عن التصحيح بدون أسباب موضوعية، فعددهم  لا بأس به ،بعض هؤلاء أساتذة مشهود لهم بالكفاءة داخل القسم و صيتهم منتشر ،،لكنهم ينظرون باستصغار لعمل التصحيح ان لم نقل باستهجان خاصة عند مقارنة المجهود  بالتعويض الهزيل ،،، و كأن لسان حالهم يقول للآخرين  :مقابل المادي  للثلاثة أيام التي تشقون خلالها ..يساوي مقابل  درس خصوصي واحد..!!

3/ تفاوت الضرر..

وفي  ضوء هدا الغيض  من الفيض ، نجزم  بوجود أخطاء عديدة  ،لكنها متفاوتة من حيث الخطورة و التأثير على نتيجة التلميذ النهائية ،،و هدا ما يجعل البعض لا يشتكي  ، ومن بين هؤلاء تلاميذ يترقبون النجاح فقط ،، سواء ب 10.01 أو 11.99 و حتى من ينتظر معدل 16.50 مثلا و جاءت نتيجته 16.36 فلا فرق لديه،،، لكن المسكين الذي وعد أهله و ينتظر 18 في الفيزياء مثلا  ليجد 10،،لا يمكن تحديد تداعيات هده النقطة على مستقبله..

و المتضررون من عملية التصحيح متنوعون والأمثلة التالية نماذج لهؤلاء: تلميذ رسب بمعدل 9.96 مثلا مع تشكيكه في بعض نقطه ، واستنفد حقه في التكرار،،تلميذة نجيبة تحلم طيلة السنة بدخول كلية الطب ، وبفعل خطأ محتمل أو أكيد،خلال التصحيح نزل معدلها عن العتبة المطلوبة لاجتياز المباراة ،،تلميذ متميز بمعدل جيد لكن نقطة الرياضيات كانت غير متوقعة،أبعدته عن الأقسام التحضيرية لمدارس المهندسين ،فلجأ والداه إلى مؤسسات خاصة لاستكمال دراسته،،تلميذة انهارت للنقطة الغريبة في الامتحان الجهوي و استغرب لنقطتها أيضا أساتذتها و أصبحت تحتاج لمجهود خارق بالسنة الثانية لتحقيق معدل التميز،،،،

كل هدا يتم في غياب مراقبة جدية و متابعة دقيقة للعملية درءا لهده الأخطاء غير المتعمدة في غالبيتها ..بالمقابل لا يفوتنا التنويه ببعض الضمائر الحية التي تعطي لكل مسؤولية حقها  سواء خلال التدريس أو كل إجراءات الامتحانات،،

بفضل هؤلاء تجد تلامذتنا مرتاحين لنقطهم ،، و بوجود هؤلاء يبقى نزيف تعليمنا بطيئا ،،لأنهم يقدمون الجودة في واقع التردي  و يستحضرون الضمير وسط طغيان الإسفاف و يرتقون باليقظة  بدل السقوط في اللامبالاة،،،

4/ الالتفاف على حق إعادة التصحيح ..

إن ما يؤكد وجود أخطاء بالجملة في أوراق التصحيح .ما أسفرت عنه نتائج إعادة العملية بالنسبة لتلاميذ الامتحان الجهوي، في سنوات سابقة حيث استفاد عدد من التلاميذ  وتم تعديل نقطهم ،رغم أن المراجعة تمت بطرقة تقنية

، أي التحقق من مجموع النقط الجزئية  و الأسئلة المهملة أو المنسية  و التأكد من مسك النقطة ،،ويتم إخبار المعنيين بالأمر بعد مرور عدة أشهر ،،

و ما دام الأمر كذلك بالنسبة للجهوي ،، فالامتحان الوطني مرشح لنفس كمية الأخطاء على الأقل،،وفي ضوء هذه التجاوزات يمكن لنا أن نتخيل كم من متضرر سقطت أحلامه بالقلم الأحمر و أجهضت أماله التي ظل ينسجها طيلة سنة دراسية،،

و تنص مذكرة وزارية على حق التلميذ المتضرر في التظلم لدى الأكاديمية ، إلا أن بعض الأكاديميات تحاول الالتفاف على هدا الحق من خلال التسويف و المماطلة ،بدعوى أنه  لو فتح المجال للجميع   ّ”فلن نستطيع إغلاقه” ” ،،و حتى عندما تتم الاستجابة لطلبات إعادة التصحيح ، تحت ضغط بعض  الحالات، فإنها تسند لهيئة التفتيش التي عادة ما تكون منهكة بالمهام الموكولة لها خلال إعداد و تنفيذ الامتحان ،،كما أن عملية مسك النقط على مستوى منظومة مسار وجاهزية بيانات النقط و شهادات الباكالوريا، كلها أمور تضاف الئ معيقات الالتزام بمراجعة دقيقة استجابة للمتضررين،،  حيث لا تركز  العملية على مدى سلامة  توزيع النقط على إجابات التلميذ بشكل صحيح وصائب ، كون الأمر قد يستغرق وقتا طويلا ! هكذا تضيع حقوق التلاميذ و تصبح مطالبهم غير ذي جدوى..

5 / التصحيح الجماعي هو  البديل..

يذكر الأساتذة المغاربة الملحقون بدول الخليج  سابقا ، كيف مارسوا مهمة تصحيح أوراق الثانوية العامة (الباكالوريا) حيت طبقوا نظام التصحيح الجماعي للورقة الواحدة (نظام مستورد من مصر ) ،،الذي يعتمد مصححا و مراجعا للتمرين الواحد ، وهكذا تحتاج الورقة الواحدة  مثلا في الرياضيات المكونة من 5 تمارين إلى عشرة اساتدة فضلا من جامع للنقط و مراجع عليه ،، وهكذا تخرج الورقة ، بعد سلسلة الأيادي المتعددة ، بريئة من كل شبهة كانت عمدا أو خطأ ، و يستحيل أن يوجد مشتكي واحد يطعن في ازيد من 10 مصححين !!

هدا العمل الذي تقوم به وزارة في دولة كسلطنة عمان، حديثة في مجال التربية و التعليم ،لعله يساءل فينا، نحن في البلد العريق  ،مصداقية تصحيحنا الفردي الذي يعتمد السرعة أسلوبا  و الإنهاء هدفا و الثقة العمياء في الأستاذ مبدءا ..وبالمناسبة فأخطاء التصحيح ،  ليست بأي حال من الأحوال مقصودة ( الا بوجود مصحح فاقد لقدراته العقلية )

ومن ثم فحديثنا هنا حول الأخطاء العفوية …

و لا ننكر أنه  بالثانوي الإعدادي اعتمدت  سابقا بعض مديرياتنا  مبدأ التصحيح بالورشات ،،لكن حسب عدد من الأساتذة فالعملية غير منظمة و تشوبها مشاكل عديدة ،ليس وقت الحديث عنها

خلاصة..

ليس وحده أسلوب التصحيح الذي يحتاج لإعادة النظر،، بل كل مراحل هدا الاستحقاق الوطني .و الكل يشهد أن تعليمنا يعاني من أمراض مزمنة توارثناها كأجيال متلاحقة ولم تملك الوزارات المتتاليات الشجاعة على أصلاح حقيقي يروم استئصال عدد من الأورام الخطيرة ..ولعل مسألة من حجم مشكل  التصحيح وشكايات التلاميذ الدورية سنويا لا اعتقد أنها داءا مزمنا   سيكلف الوزارة اكتر من قرار بسيط ..فهل سيأتي اليوم  الذي يتحرك فيه  ضمير صاحب هذا القرار ويقول ..تعالوا نفكر في التجديد والتطوير ..

 

احمد اليعقوبي / أستاذ لمادة الرياضيات..

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *