شهدت الساحة الثقافية والفنية بالمغرب نقاشاً حاداً تباينت فيه الآراء حول التوجه الفني الجديد لمهرجان “عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية” بمدينة مكناس. ويسلط هذا النقاش الضوء على ظاهرة باتت تفرض نفسها بقوة، وهي الحضور الطاغي للأغنية المعاصرة وكبار النجوم الشباب في منصات مهرجانٍ أُسّس في الأصل للاحتفاء بالذكر الصوفي والموروث اللامادي للطريقة العيساوية. بين من يرى في هذا الانفتاح “تشويهاً” لهوية المهرجان، ومن يجده “جسر عبور” ضرورياً لضمان الاستمرارية، تبرز جدلية ثقافية معقدة تختزل تحديات تسويق التراث في العصر الرقمي.
يرتكز موقف المدافعين عن النقاء التراثي للمهرجان على أن الهوية العيساوية ليست مجرد “فولكلور” أو نغمات موسيقية عابرة، بل هي منظومة روحية متكاملة تقوم على طقوس الذكر، المديح النبوي، و”الحضرة” التي تتطلب صفاءً ذهنياً وأجواءً مفعمة بالوقار والصوفية.
ويعتبر منتقدو التوجه المعاصر أن إقحام الأغنية الشبابية والظواهر الموسيقية الحديثة (كعروض الأوركسترا الجماهيرية) يحول المهرجان من فضاء روحي تربوي إلى “كرنفال ترفيهي تجاري”. وفي هذا السياق، يعبر أحد مقدمي الطوائف العيساوية بمكناس عن هذا القلق قائلاً:
“إن ما يحدث في المنصات الكبرى ليس تطويراً، بل هو ‘تجريد للموسيقى العيساوية من طهارتها’. الطريقة العيساوية أُسّست على الذكر والزهد والمديح النبوي داخل الزوايا وفي ‘الحضرة’ الوقورة. عندما نأخذ هذه الإيقاعات الربانية ونضعها خلف مغنٍّ يرتدي ملابس عصرية ويغني للحب أو الهجر أمام جمهور يرقص بشكل عشوائي، فنحن نقتل روح الفن الصوفي ونحوله إلى مجرد ‘فولكلور سياحي للفرجة’.”
ويؤكد هذا الطرح باحث في التصوف والتراث المغربي يرى أن الخطر يكمن في “تراتبية الأهمية”، حيث يقول:
“لقد أصبح شيوخ الطريقة الذين قضوا حياتهم في صون هذا الموروث اللامادي مجرد ‘كومبارس’ أو عروض ثانوية في الشوارع والضريح، بينما تُخصص الميزانيات الضخمة والأضواء الكاشفة لنجوم البوب والشباب. هذا التهميش المادي والمعنوي يهدد بانقراض التراث الحقيقي لأن الشباب من أبناء الشيوخ سيفضلون الهجرة نحو الأغنية التجارية بدل تعلم أصول الطريقة.”
وبناءً على هذه المخاوف، تتلخص دفوعات هذا التيار في ثلاث نقاط أساسية:
- إفراغ الموروث من عمقه الروحي: تحويل المقامات الصوفية المقدسة إلى مجرد خلفيات إيقاعية راقصة.
- تغييب الطوائف الأصلية: سحب بساط الاهتمام الإعلامي والدعم المالي من “المعلمين” الحقيقيين لصالح نجوم الشباك.
- تشتيت انتباه الجمهور: تعويض جمهور “السماع والتدبر” بجمهور “الاستهلاك والترفيه”، مما يفقد مكناس خصوصيتها الروحية.
على الجانب الآخر، يقدم المنظمون والمدافعون عن التجديد رؤية مغايرة تماماً، تنطلق من واقعية العصر وشروط البقاء الثقافي. فالمهرجان يحمل في اسمه شعار “إيقاعات عالمية”، وهو اعتراف مبكر بضرورة حوار الثقافات.
وترد إدارة المهرجان واللجنة المنظمة على هذه الانتقادات بتوضيح خلفيتها الاستراتيجية:
“نحن لا نشوه التراث، بل نمنحه ‘قبلة الحياة’ في القرن الحادي والعشرين. إذا انغلقنا على أنفسنا داخل الزوايا، سيموت هذا الفن بموت شيوخه. حضور الأغنية المعاصرة وأسماء جماهيرية هو ذكاء استراتيجي؛ نحن نأتي بالشباب من أجل هؤلاء النجوم، وفي نفس الوقت نُمرر لهم ومضات وإيقاعات عيساوية تجعلهم يكتشفون تراثهم. المهرجان يضمن التوازن: هناك ليلتان كاملتان للطوائف التقليدية في الضريح، وهناك منصات للتحديث.”
ومن وجهة نظر فنية، يرى فنان وموزع موسيقي معاصر مشارك في المهرجان أن هذا الدمج يمثل اعترافاً بقيمة الفن الصوفي:
“الموسيقى كائن حي يتنفس، وإيقاعات عيساوة تملك طاقة كونية مذهلة تتناسب جداً مع التوزيعات الموسيقية الحديثة (كالأوركسترالي أو الجاز). إعادة صياغة هذه المقامات بقوالب حديثة ليس إساءة، بل هو اعتراف بقوتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان. نحن نخرج عيساوة من المحلية الضيقة إلى العالمية، تماماً كما حدث مع أنماط تراثية أخرى.”
ويرتكز هذا التيار المجدد على الأهداف التالية:
- تأمين البقاء وتجسير الفجوة: استخدام الأغنية المعاصرة كـ “طُعّم ثقافي” لربط الناشئة بأصولهم عبر قوالب لحنية مألوفة لديهم.
- الاشعاع العالمي والسياحي: تحويل التراث إلى مادة فنية عابرة للقارات قادرة على تحريك العجلة الاقتصادية والسياحية لمدينة مكناس في فضاءات كساحة الهديم وباب المنصور.
- التكامل لا الإلغاء: الحفاظ على التوازن من خلال برمجة موازية تضمن حضور أزيد من 55 طائفة تقليدية في الأماكن الروحية المخصصة لها.
إن الحضور القوي للأغنية المعاصرة في مهرجان عيساوة لا ينبغي أن يُنظر إليه كـ “تدمير متعمد” للهوية، بقدر ما هو محاولة للتكيف مع متطلبات العصر الرقمي وضمان الاستمرارية الجماهيرية. ومع ذلك، تظل المخاوف من “التشويه” مشروعة وتستوجب الحذر.
المعادلة الناجحة تكمن في قدرة المهرجان على إبداع صيغ “تلاقح متبادل”؛ بحيث لا تذوب الهوية العيساوية في قالب الأغنية المعاصرة، بل أن تقوم الأغنية المعاصرة بـ “خدمة” الموروث العيساوي ونشره، بما يضمن الحفاظ على “قدسية الروح” و”عصرية الجسد” في آن واحد.