
تُعرف مدينة إفران في الوجدان المغربي والعالمي بلقب “سويسرا المغرب”، وهي الصورة النمطية التي تجتهد المجالس المتعاقبة والجهات الرسمية في تلميعها وصونها عبر واجهات أنيقة وشوارع نظيفة، والإنفاق السخي على تظاهرات فنية وثقافية ضخمة تتقدمها دورات “مهرجان إفران الدولي”. غير أن هذا البريق الخارجي والموسمي يخفي وراءه أسئلة حارقة يطرحها الفاعلون المحليون والبيئيون بحدة: هل يعكس هذا البهرج واقعاً تنموياً حقيقياً، أم أنه مجرد مساحيق تجميل مؤقتة تخفي ندوباً عميقة على جسد الإقليم؟
المال العام: بين بهرجة المنصات وأولويات البنية التحتية
تثير الميزانيات الضخمة المرصودة للمهرجانات الصيفية والأنشطة الفنية جدلاً واسعاً حول عدالة توزيع وتوجيه المال العام بالمنطقة. ففي الوقت الذي تُضخ فيه ملايين الدراهم لتأثيث منصات الغناء وتغطية مصاريف التنظيم اللوجيستي واستقطاب النجوم، يرى الكثير من المتتبعين للشأن المحلي أن هذه الأموال أولى بأن تُوجه لإنقاذ وإعادة تهيئة الرأسمال المادي والدائم للمدينة.
وتتجلى هذه المفارقة الصارخة في كون المهرجانات تنتهي بمجرد إطفاء أنوار المنصات، تاركةً وراءها معالم طبيعية وسياحية تاريخية تعيش إهمالاً بنيوياً وهيكلياً على مدار السنة. تشير التقديرات المحلية إلى أن ميزانية مهرجان صيفي واحد بالإقليم كفيلة بتغطية تكاليف الصيانة الدورية، وتأهيل قنوات المياه، والإنارة، والمرافق الصحية لأكثر من موقع سياحي طبيعي مهمل لسنوات.
عين فيتيل والبحيرات الجافة: أزمة استدامة توثقها التقارير الرسمية

رغم خضوع “عين فيتيل”لاعادة التاهيل ، الا انها تعتبر حسب المتتبعين النموذج الحي لهذا الاختلال في الأولويات؛ فهذا المنبع المائي الساحر، الذي شكل لقرون طويلة القلب النابض لسياحة إفران الطبيعية، بات اليوم غارقاً في العشوائية وغياب التجهيزات الأساسية نتيجة ضعف قنوات التهيئة، وغياب المرافق الصحية المنظمة، والانتشار غير المؤطر للأنشطة التجارية وكراء الخيول.
ولعل الأرقام البيئية والتقارير الصادرة عن المؤسسات الدستورية تكشف عمق الكارثة وتنزع غطاء “التدبير النموذجي” عن المنطقة. فقد رصد المجلس الأعلى للحسابات، في تقاريره الرسمية المتعلقة بتقييم المنتزهات الوطنية وموارد المياه، ضعف التنسيق والحكامة في حماية النظم البيئية بإقليم إفران، مسجلاً تراجعاً مقلقاً في المساحات الغابوية والتنوع البيولوجي بسبب الضغط البشري والاستغلال غير المنظم.
هذا التدهور الهيدرولوجي تُرجم بشكل مأساوي على أرض الواقع عبر الجفاف التام بنسبة 100% الذي ضرب بحيرات تاريخية مصنفة دولياً ضمن اتفاقية “رامسار” للمناطق الرطبة، وعلى رأسها “ضاية عوا” التي جفت كلياً .

وفي ذات السياق، تؤكد تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن انتشار ضيعات التفاح الفلاحية الكبرى المستنزفة للمياه، والتي تسببت في حفر مئات الآبار بشكل عشوائي واستغلال جائر للفرشة المائية الجوفية ، أدى إلى هبوط حاد في الفرشة المائية بالأطلس المتوسط. هذا الاستنزاف غير العقلاني يفسر مباشرة تراجع صبيب عيون طبيعية حيوية كعين فيتيل، والتي تعاني من شبح الجفاف المتكرر خلال فترات الصيف.
موسمية قاتلة وركود اقتصادي خانق.
خلف الواجهة السياحية البراقة، تصطدم الساكنة المحلية بواقع اقتصادي مرير يتسم بـ”الموسمية القاتلة”. ترتبط الحركة التجارية بأسابيع معدودة لا تتجاوز 20% من أيام السنة (ذروة موسم الثلوج شتاءً وفترة الصيف) ، بينما تغرق المدينة في ركود تجاري حاد طيلة بقية أشهر السنة، في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية أو نسيج مقاولاتي يمتص طاقات الشباب المحلي ويخفف من نسب البطالة.
كما أن غلاء الأسعار العشوائي وغير المقنن خلال مواسم الذروة يضرب القدرة الشرائية للمواطنين ويهدد التنافسية السياحية للمدينة، حيث تضاعف بعض الخدمات أسعارها مستغلة غياب الرقابة وهامش الطلب المرتفع في فترات المهرجانات والعطل.
نحو تصحيح البوصلة: الاستدامة أولاً
إن الاستمرار في تفضيل “التنمية المشهدية المؤقتة” القائمة على المهرجانات، على حساب التنمية البيئية والاقتصادية المستدامة، يهدد بإفراغ إفران من جاذبيتها الحقيقية.
لقد حان الوقت لتصحيح بوصلة إنفاق المال العام بالمنطقة، تماشياً مع التوصيات الرسمية الداعية إلى مراجعة السياسات التنموية المحلية لترسيخ “العدالة المائية والبيئية”. إن الانتقال من منطق “الاستعراض الاستهلاكي” إلى منطق “الاستثمار الحمائي”، عبر إنقاذ عين فيتيل، وإعادة إحياء الضايات الجافة، وعقلنة استغلال الثروة المائية، هو الكفيل بضمان مستقبل إفران كقطب بيئي وسياحي مستدام للأجيال القادمة، وليس مجرد محطة عابرة لالتقاط الصور.