عبد المجيد بوشنفى
مع اقتراب انعقاد مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين بشأن المناخ، المعروف اختصاراً بـ«كوب 31»، بمدينة أنطاليا التركية من 9 إلى 20 نوفمبر 2026، يعود السؤال الذي ظل يرافق مؤتمرات المناخ لعقود: هل يستطيع المجتمع الدولي الانتقال من لغة الالتزامات والتعهدات إلى مرحلة الإنصاف المناخي، أم أن الدول النامية ستواصل دفع فاتورة أزمة لم تكن مساهمتها التاريخية في صناعتها بحجم ما تتحمله اليوم من تبعاتها؟
ينعقد المؤتمر في سياق دولي بالغ الحساسية، تتزايد فيه المخاطر المناخية وتتسع الفجوة بين حاجات الدول المتضررة والإمكانات المتاحة لمواجهتها. فالجفاف والتصحر والفيضانات وموجات الحر وارتفاع مستوى البحار لم تعد سيناريوهات مستقبلية، بل تحولات تؤثر في الأمن الغذائي والمائي، وتهدد مصادر عيش ملايين البشر، وتضع الاقتصادات الهشة أمام اختبارات متلاحقة. وفي الوقت الذي تتوفر فيه لدى الاقتصادات الكبرى إمكانات مالية وتقنية تسمح لها بتعزيز قدرتها على التكيف، تجد دول عديدة في الجنوب نفسها مضطرة إلى مواجهة الكوارث بموارد محدودة، وأحياناً عبر الاستدانة أو إعادة توجيه ميزانيات كان يفترض أن تخصص للتعليم والصحة والتنمية.
هنا تتجلى المفارقة الأساسية التي تجعل العدالة المناخية قضية سياسية واقتصادية وأخلاقية في آن واحد. فالدول التي راكمت قسماً كبيراً من ثرواتها خلال عقود من التصنيع المكثف واستهلاك الوقود الأحفوري ليست في الوضع نفسه الذي توجد فيه الدول التي ما زالت تكافح لتوفير شروط التنمية الأساسية. ولذلك، فإن التعامل مع الأزمة المناخية بمنطق المسؤولية المتساوية، من دون مراعاة الفوارق التاريخية والقدرات الاقتصادية، قد يحول الانتقال البيئي إلى عبء إضافي على المجتمعات الأكثر هشاشة، بدل أن يكون مدخلاً إلى تنمية أكثر عدلاً واستدامة.
ومن هذا المنطلق، لن يكون التحدي الحقيقي أمام كوب 31 هو صياغة إعلان جديد يضاف إلى أرشيف الاتفاقيات الدولية، وإنما تحديد ما إذا كانت الالتزامات السابقة ستتحول إلى إجراءات قابلة للقياس والتنفيذ. فالمؤتمرات المناخية راكمت أهدافاً واتفاقات مهمة، وفي مقدمتها اتفاق باريس، لكن المسافة لا تزال قائمة بين الطموح المعلن والواقع الميداني. وقد أصبح واضحاً أن نجاح الدبلوماسية المناخية لا يقاس بعدد الخطب التي تلقى داخل قاعات التفاوض، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة الناس، خصوصاً في المناطق التي تتعرض بصورة متكررة للجفاف والفيضانات وتدهور الموارد الطبيعية.
ويأتي التمويل المناخي في مقدمة الاختبارات التي ستحدد مدى جدية المؤتمر. فقد حدد مؤتمر كوب 29 هدفاً يتمثل في تعبئة 300 مليار دولار سنوياً لفائدة الدول النامية بحلول سنة 2035، ضمن طموح أوسع لتوسيع التمويل المناخي إلى 1.3 تريليون دولار سنوياً من مختلف المصادر. غير أن الإعلان عن الأرقام لا يحسم وحده جوهر المشكلة؛ إذ يظل السؤال متعلقاً بمصادر هذه الأموال، وطبيعة توزيعها، وشروط الحصول عليها، ومدى وصولها إلى الدول والمجتمعات الأكثر احتياجاً. فهل ستقدم الموارد في صورة منح وتمويل ميسر، أم ستظل القروض تمثل جزءاً أساسياً منها، بما قد يزيد من أعباء المديونية على اقتصادات تعاني أصلاً من ضغوط مالية؟ وهل ستصل الأموال إلى المشاريع المحلية التي تحمي السكان وتضمن استمرارية الخدمات الأساسية، أم ستتعثر في مساطر معقدة ومؤسسات يصعب على الدول الأقل قدرة الوصول إليها؟
إن الإنصاف المناخي يقتضي ألا يتحول التمويل المخصص لمواجهة الكوارث إلى مصدر جديد للديون، وألا تصبح قدرة الدول على حماية مواطنيها مرتبطة فقط بقدرتها على الاقتراض أو باستقطاب الاستثمارات الخاصة. كما يتطلب شفافية في احتساب التمويلات المعلنة، والتمييز بين الأموال الجديدة والمساعدات التي سبق الالتزام بها، وبين المبالغ المرصودة فعلياً والتعهدات التي لم تدخل بعد مرحلة التنفيذ.
ولا يقل ملف التكيف أهمية عن التمويل. فبالنسبة إلى عدد من الدول الإفريقية، لا يتعلق الأمر فقط بخفض الانبعاثات، وإنما بتأمين المياه، وتطوير الزراعة المقاومة للجفاف، وحماية المدن من الفيضانات، وصيانة النظم البيئية، وتعزيز الإنذار المبكر، وتوفير البنية التحتية الضرورية لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة. كما تبرز قضية الخسائر والأضرار باعتبارها اختباراً آخر لمصداقية التعاون الدولي؛ إذ تحتاج الدول التي تتعرض لكوارث تتجاوز قدراتها الذاتية إلى آليات دعم واضحة وسريعة، تساعدها على إعادة بناء ما دمرته الفيضانات والعواصف، وحماية السكان الذين فقدوا مساكنهم ومصادر رزقهم.
وإذا كان خفض الانبعاثات هدفاً ضرورياً لحماية مستقبل الكوكب، فإن تحقيقه ينبغي ألا يتم على حساب حق الشعوب في التنمية. فالدول النامية مطالبة اليوم بتطوير اقتصادات أقل اعتماداً على الوقود الأحفوري، والاستثمار في الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، لكنها تحتاج في المقابل إلى التكنولوجيا والخبرات والتمويل الذي يجعل هذا التحول ممكناً. ومن دون تعاون دولي فعلي، قد تتحول الدعوة إلى الانتقال الأخضر إلى امتياز جديد للدول التي تمتلك التكنولوجيا ورؤوس الأموال، بينما تواجه الدول الأقل دخلاً صعوبة في تحمل كلفته.
ومن هنا تبرز أهمية نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، ليس باعتبارهما بندين تقنيين ثانويين، بل شرطين أساسيين لتقليص الفجوة بين الشمال والجنوب. فالعدالة المناخية لا تعني الاكتفاء بتقديم المساعدات بعد وقوع الكوارث، وإنما تمكين الدول من امتلاك الوسائل اللازمة للوقاية منها، وتطوير حلول تناسب أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. كما أن الانتقال العادل ينبغي أن يراعي العمال والفئات الهشة والمجتمعات التي تعتمد في معيشتها على أنشطة ستتأثر بالتحولات الطاقية، حتى لا تتحول السياسات المناخية إلى سبب جديد لاتساع التفاوت الاجتماعي.
أما إفريقيا، فتجسد بوضوح هذا التناقض بين حجم التحديات ومحدودية الموارد. فالقارة تواجه مخاطر متزايدة مرتبطة بندرة المياه وتدهور الأراضي وتراجع الإنتاج الزراعي، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى توسيع فرص الشغل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتطوير البنية التحتية. ولذلك، فإن الدفاع عن العدالة المناخية لا ينبغي أن يقتصر على المطالبة بحصة أكبر من التمويل، بل يتعين أن يشمل إصلاح آليات الوصول إليه، وتقوية التعاون بين الدول الإفريقية، وتعزيز حضورها التفاوضي، وضمان أن تتجه الاستثمارات نحو مشاريع تحمي السكان وتدعم التنمية المحلية، بدلاً من الاقتصار على المبادرات التي تحقق عوائد مالية سريعة.
وبالنسبة إلى المغرب، تكتسب هذه القضايا أهمية مباشرة في ظل التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف والضغط على الموارد الطبيعية. فالمطلوب ليس فقط مواصلة الاستثمار في الطاقات المتجددة، وإنما أيضاً تعزيز تدبير الموارد المائية، وحماية التربة والغابات، ودعم الفلاحة القادرة على التكيف مع التحولات المناخية، وتطوير مدن أكثر قدرة على مواجهة الحرارة والفيضانات. كما تبرز الحاجة إلى تمويل مستدام وميسر، وإلى ربط السياسات المناخية بالتنمية المجالية والعدالة الاجتماعية، حتى لا تتحمل الفئات ذات الدخل المحدود وحدها كلفة التحولات البيئية.
وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال الإنصاف في حجم الأموال التي ستعلن عنها الدول المانحة. فالعدالة المناخية تشمل أيضاً حق الدول النامية في المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، والتأثير في تحديد الأولويات، والحصول على المعلومات والتكنولوجيا، وتقييم النتائج بصورة شفافة. كما تستدعي إشراك الجماعات الترابية والجامعات والجمعيات البيئية والإعلام والمجتمعات المحلية في إعداد السياسات وتنفيذها ومراقبتها. فالمشاريع المناخية التي لا تستجيب للحاجات الحقيقية للسكان، ولا تضمن مشاركتهم، قد تتحول إلى أرقام في التقارير أكثر مما تصبح حلولاً مستدامة على الأرض.
ومن المنتظر أن يختبر كوب 31 قدرة المجتمع الدولي على تجاوز هذا التناقض بين الخطاب والممارسة. فالمؤتمر يأتي في مرحلة يتزايد فيها التركيز على تنفيذ اتفاق باريس وتسريع العمل المناخي، بما يجعل قضايا التمويل والتكيف والخسائر والأضرار ونقل التكنولوجيا في صلب النقاش. غير أن النتائج ستظل رهينة بما ستتوصل إليه الدول من اتفاقات عملية، وبمدى استعدادها لتحمل مسؤولياتها، وبقدرة آليات التعاون الدولي على تحويل القرارات إلى برامج محددة الأهداف والآجال، تخضع للتتبع والمساءلة.
إن الرهان الحقيقي، إذن، ليس أن ينتهي كوب 31 ببيان جديد يرحب به الجميع، وإنما أن يفتح الطريق أمام مرحلة مختلفة في العلاقات المناخية الدولية؛ مرحلة لا تقاس فيها المسؤولية بما تعلنه الحكومات وحده، بل بما تنفذه فعلياً، ولا تقاس فيها التضامنات بحجم الوعود، بل بمدى وصول الدعم إلى من يحتاج إليه. فمستقبل العدالة المناخية يتطلب التزامات مالية واضحة، وآليات تنفيذ شفافة، وتوزيعاً أكثر إنصافاً للأعباء، واحتراماً لحق الشعوب في التنمية وفي بيئة سليمة.
وبين دبلوماسية الوعود ودبلوماسية الإنصاف، تقف دول الجنوب أمام اختبار جديد: هل تستطيع تحويل معاناتها المناخية إلى قوة تفاوضية موحدة، تدافع بها عن مصالح شعوبها وتفرض حضورها في صياغة مستقبل الكوكب؟ وهل تستجيب الدول الأكثر قدرة لهذه المطالب باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا مجرد تنازل تفاوضي؟
لن يكون الحكم على كوب 31 رهيناً بما سيقال في أنطاليا، وإنما بما سيحدث بعد مغادرة الوفود قاعات المؤتمر. فهناك، في القرى التي تنتظر الماء، والحقول التي أنهكها الجفاف، والمدن التي تهددها الفيضانات، ستظهر القيمة الحقيقية لأي اتفاق دولي.
فالعدالة المناخية لا تتحقق بتكاثر الوعود، بل حين تتحول المسؤولية إلى التزام، والالتزام إلى تمويل، والتمويل إلى حماية فعلية لحق الإنسان في الحياة والتنمية.