آخـــر الأخبـــار

إلى أي حد يستجيب البرنامج الحكومي الجديد لتحديات البيئة والمناخ في المغرب؟

بين طموح الأمن المائي والانتقال الطاقي، تظل فعالية السياسة البيئية رهينة بمدى وضوح الالتزامات وآليات التنفيذ والعدالة المناخية.

حين قدمت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، برز الأمن المائي والسيادة الطاقية ضمن التوجهات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة. وتكتسي هذه الاختيارات أهمية خاصة في سياق تتزايد فيه الضغوط المناخية على الموارد الطبيعية، وتتداخل فيه أزمة الماء مع مستقبل الفلاحة والتشغيل والتنمية المجالية.
غير أن تقييم الحضور البيئي والمناخي في البرنامج الجديد يقتضي تجاوز الإعلان عن المشاريع إلى مساءلة طبيعة الاختيارات الحكومية، ومدى قدرتها على بناء سياسة متكاملة تجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
يستهدف البرنامج إنتاج 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق 2031، إلى جانب مواصلة بناء السدود والمنشآت المائية، وتطوير الربط بين الأحواض المائية. كما يتضمن إجراءات تتعلق بحماية الفرشات المائية وتوسيع استعمال المياه العادمة المعالجة.
وتعكس هذه التدابير إدراكاً لأهمية الأمن المائي، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول التوازن بين تنمية العرض المائي والتحكم في الطلب. فزيادة القدرة على تعبئة المياه لا تعفي من ضرورة مراجعة أنماط الاستهلاك، ومراقبة الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وتقييم الجدوى المائية للمشاريع الفلاحية والاستثمارية.
والسؤال هنا ليس فقط كم ستنتج محطات التحلية، أو كم ستضيف السدود من مخزون، بل كيف ستضمن السياسة المائية استدامة الموارد، وعدالة توزيعها، وحماية حق المواطنين في الماء، دون إغفال الكلفة المالية والطاقية والبيئية لمشاريع التحلية ونقل المياه ؟.
ويتضمن البرنامج الطاقي الحكومي هدفاً يتمثل في تجاوز حصة الطاقات المتجددة 52 في المائة من المزيج الكهربائي الوطني بحلول سنة 2030، إلى جانب تطوير عرض الهيدروجين الأخضر والبنيات التحتية المرتبطة بالغاز.
ويعكس هذا التوجه استمرار الاستثمار في التحول الطاقي، لكنه يطرح سؤالاً يتجاوز حجم الإنتاج: ما نصيب الاقتصاد الوطني والمواطنين من القيمة المضافة التي ستولدها هذه الاستثمارات؟ وما أثرها في إحداث فرص الشغل، وتطوير الصناعة المحلية، وتقليص التبعية الطاقية والانبعاثات؟
إن نجاح الانتقال الطاقي لا يقاس فقط بزيادة المنشآت والقدرات الإنتاجية، بل كذلك بمدى إسهامه في تحسين القدرة التنافسية للاقتصاد، وتوسيع الاستفادة من الطاقة النظيفة، واحترام المعايير البيئية، وضمان ألا تتحول المشاريع الكبرى إلى جزر استثمارية منفصلة عن حاجات المناطق التي تحتضنها.
على الرغم من مركزية الماء والطاقة في النقاش المناخي المغربي، فإن السياسة البيئية تشمل مجالات أوسع: حماية الغابات والواحات والتنوع البيولوجي، ومكافحة تلوث الهواء والمياه، وتدبير النفايات، والحد من تدهور التربة، وتعزيز قدرة المدن والقرى على مواجهة الفيضانات وموجات الحر.
ومن هنا تبرز ضرورة التحقق من مدى حضور هذه الملفات في الالتزامات التفصيلية للبرنامج الحكومي، ومن وجود أهداف قابلة للقياس وآجال محددة لتنفيذها.فلا يكفي أن تتقدم مشاريع البنية التحتية المائية والطاقية إذا لم تترافق مع سياسة واضحة لحماية النظم البيئية، وتطوير الاقتصاد الدائري، وإدماج المخاطر المناخية في التعمير والنقل والفلاحة والتخطيط الترابي.
وللتغيرات المناخية آثار متفاوتة بين الفئات الاجتماعية والمناطق. فالقرى المعتمدة على الفلاحة المطرية، والأسر التي تواجه صعوبات في الحصول على الماء، والعاملون في الأنشطة المرتبطة بالموارد الطبيعية، قد يتحملون أعباء لا تعكس بالضرورة مسؤوليتهم عن أسباب الأزمة.
لهذا، ينبغي تقييم البرنامج الحكومي من زاوية العدالة المناخية أيضاً: هل يضمن توزيعاً منصفاً للاستثمارات؟ وهل يربط الانتقال الطاقي والمائي بالتشغيل اللائق والتكوين؟ وهل يمنح الجماعات الترابية والفاعلين المحليين إمكانات فعلية للمشاركة في القرارات التي تمس مواردهم ومجالاتهم؟
إن إدماج البعد الاجتماعي في السياسة المناخية ليس إضافة شكلية، بل شرط لضمان استمرارية الإصلاحات وقبولها اجتماعياً.
وتظل الميزانية والآجال والمؤشرات من أهم أدوات تقييم أي برنامج حكومي. ومن ثم، فإن المطلوب هو تحديد الاعتمادات المخصصة للالتزامات البيئية والمناخية، ونشر مؤشرات دورية حول التنفيذ، وتوضيح المسؤوليات بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية.
كما أن ربط الاستراتيجيات المناخية بالميزانية العامة، وتوفير المعلومات للبرلمان والإعلام والمجتمع المدني، يسمح بالتمييز بين ما تحقق فعلاً وما لا يزال في مستوى الإعلان والتخطيط.
وفي هذا السياق، يكتسب الإعلام البيئي أهمية خاصة، ليس بوصفه وسيلة للتحسيس فقط، بل باعتباره أداة للرقابة العمومية، ونقل المعطيات العلمية، وفتح النقاش حول كلفة القرارات ونتائجها الاجتماعية والبيئية.
ويمكن القول  ان البرنامج الحكومي الجديد يقدم  أهدافاً رقمية في مجالي الماء والطاقة، وهي التزامات تستحق التتبع والتقييم، لكن الحكم على مدى استجابته للتحديات البيئية والمناخية يظل مرتبطاً بفحص بقية محاوره، وميزانياته، ومؤشرات تنفيذه، ومدى إدماجه لحماية الطبيعة والعدالة المناخية في مختلف السياسات العمومية.
إن الرهان ليس في إدراج البيئة ضمن قائمة الأولويات الحكومية فحسب، بل في جعلها معياراً يوجه الاستثمار والإنتاج والتعمير والتشغيل وتوزيع الثروة. فالتنمية المستدامة لا تتحقق بتعبئة الموارد وحدها، وإنما بحسن تدبيرها، وحماية حقوق الأجيال المقبلة، وضمان استفادة المواطنين من ثمار التحول الاقتصادي دون نقل كلفته البيئية والاجتماعية إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ويبقى السؤال المركزي: هل سينجح البرنامج الحكومي 2026-2031 في تحويل التزامات الماء والطاقة إلى سياسة بيئية ومناخية متكاملة، قابلة للقياس والمحاسبة، أم ستظل النتائج رهينة بمدى تنفيذ المشاريع المعلنة؟

نبذة عن الكاتب

عبد المجيد بوشنفى، مدير النشر للموقع الاليكتروني " البيئة بريس"، حاصل على جائزة الحسن الثاني للبيئة في صنف الاعلام ، و جائزة التعاون المغربي- الالماني في الاعلام البيئي، عضو بشبكة الصحفيين الافارقة من اجل البيئة ورئيس الجمعية المغربية للاعلام البيئي والمناخ.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *