
بقلم الأستاذ: عبدالرزاق الفلق
الشغل حق ومطلب مشروع لكل مواطن ومواطنة وذلك بحكم القانون ومنطوق الدستور وهو الوسيلة الوحيدة لكسب الرزق بالحلال وتجنب الانغماس في براثن الجريمة وويلات المخدرات وما شابهها من الأمور التي تعود على المرء بالندامة.
لكن دعونا نقف بعض الشيء على مكونات هذه العلاقة الشغلية التي تربط بين طرفين: واحد يملك المال والأخر يملك الوقت والمجهود العقلي والعضلي ، حيث يلتزم الأول بتوفير عمل مقابل مجهود يقوم به الثاني ويأجر عنه وفق اتفاق يعرف بعقدة العمل بين الأجير والمؤاجر،هذه العلاقة مؤطرة بمدونة الشغل التي تكفل لكل منهما حقوقه وواجباته وفقا للعقد الذي يجمع بينهما.وأي إخلال في بنود الاتفاق تؤدي إلى مخافر مفتشية الشغل و ردهات المحاكم،الأمر الذي يستدعي العديد من الوقت والمال وغيره من الأشياء التي سنقف عندها في هذا المقال.
لنقل إن الشغل حق، فهل الاستغلال والاستعباد حق؟ وهل من حق بعض الناس -أقول البعض- أن يبخسوا حقوق أجرائهم والتلاعب بمصائرهم وتعريضهم للإهانة والإذلال لا لشيء إلا لأنهم ضعفاء ولا حول ولا قوة لهم؟ هنا يطرح سؤال عريض ومُلِح : ما هي طرق الاستغلال وكيفيته؟وما هي طرق الإذلال وكيفيته؟
الاستغلال هو نوع من الاستعباد الذي يمارسه القوي على الضعيف وذلك لمعرفته بفقره واحتياجه لإطعام أطفاله وتسديد واجبات الكراء وغيرها من متطلبات الحياة اليومية،فيكون الثمن زهيدا والعمل كثير يدخل فيه عمله داخل الشركة وببيت رب العمل من القيام بتشذيب الأشجار واصطحاب الأبناء إلى المدرسة وغيرها كثير.
و قد لا يختلف العديد من الناس في كون العمل عبادة ولكن العديد منهم سيستغرب حين يصبح العمل استعبادا !!! إن هذه العملية يدخل فيها وجهان لعملة واحدة حيث يكون:الوجه الأول رب العمل بسطوته وماله وعلاقاته التي تيسر له كل الأمور والثاني الأجير الذي يتقبل الإهانة والاستغلال بخنوع وخضوع دون اللجوء إلى الجهات المختصة لإنصافه.وهذا أمر يبرره إما جهل الأجير أو دهاء المؤاجر، وفي بعض الأحيان تلعب الدولة دورها دون علم الجميع حين لا يغادر المسؤولون كراسيهم والذهاب إلى الشركات والمعامل لتقصي الأمور والتفتيش عن المخالفات التي تعرفها بعض هذه الشركات .فبعدم الوصول إلى ؤلائك الذين يجهلون القانون نعبد الطريق أمام من له اليد الطويلة لبلوغ كل شيء، فحين نجد مثلا أجيرا مصرح به لمدة ثمانية (8)أيام أو ستة عشر يوما (16)وهو لا يعمل في القطاع الموسمي فهذا يستلزم أن يثير الشك والريبة وان يجعل مفتشي الضمان الاجتماعي يتحركون لمعرفة الحقيقة،هذه الأخيرة التي تعمي عيون الأجير بحيث يتوصل بالتعويضات العائلية دون معرفة أن عدد الأيام المصرح بها والتي لن تفيده في التقاعد الذي يستلزم التصريح ب26 يوما شهريا ليتمكن من الحصول على ما مجموعه 3240 يوما كي يحصل على تقاعده.هذا أمر يجعل الريبة والشك في إمكانية التواطؤ واستغلال النفوذ.
والحقيقة انه أمر يجعلنا في حيرة من أمرنا و نحن نتناول هذا الموضوع الشائك الذي يقض مضجع الأجير ،فمدونة الشغل قد أحاطت بكل الجوانب المتعلقة بالأجير والمؤاجر إلا أن الأمر يشوبه غموض إذ أن العمال في غالبيتهم لا يجيدون القراءة ولا حتى الكتابة الأمر الذي يدفع بهم في الغالب إلى الإمضاء عن أمور يجهلونها وعند الطرد التعسفي يجدون أنفسهم في الشارع بلا تعويض لأنهم سبق أن وقعوا على وثائق يجهلون مصدرها ولا غايتها.لقد حاول العديد من الباحثين في الشأن القانوني أن يثيروا هذا الموضوع كالأستاذ محمد سعد جرندي المستشار بمحكمة الاستئناف بتطوان في كتابه :الطرد التعسفي للأجير بين التشريع والقضاء بالمغرب،والذي تناول الموضوع من كل الجوانب سواء تعلق الأمر بالأجير أو المؤاجر ليخلص إن من يتحمل المسؤولية في أمر الإثبات هي المحكمة حيث يقول”وبين هذا وذاك يقف القضاء ويتحمل مسؤوليته كاملة ويستعين بوسائل الإثبات المتاحة له اعتمادا على الضوابط القانونية،اخدة بعين الاعتبار تحقيق التوازن الذي تتطلبه هذه العملية…..”
وقد صدق من قال إن العدالة عمياء إذ أنها تحكم بالحجج والدلائل والقرائن ولا تركن إلى العاطف، كما أن مفتشي الشغل ليس لهم الصفة الزجرية بل الوساطة التصالحية والتي في الغالب تنتهي بتقرير يرفع إلى الأجير ليتقدم به إلى المحكمة لطلب مستحقاته هذه الأخيرة التي قد يجهلها حتى بعض المحامون ومفتشي الشغل فتكون الصفة التقديرية للواقعة.
إن الاستغلال الذي يطال الأجير لا يقف عند هذا الحد بل يمتد إلى الإذلال حين يركب المؤاجر رأسه وتسعفه طناطنه فيقسم الأيمان الغليظ بان يصرف أكثر مما يستحق الأجير في المحاكم والرشاوى ولا يعطيه (الأجير )حقه…وهذه قمة الاستبداد واستغلال النفوذ. أليس هذا بقمة الإذلال والاستعباد والعجرفة التي تسيطر على بعد أرباب المعامل وخاصة منهم الذين يجمعون بين المناصب العليا والاستثمار…؟فهل تقوى السمكة على هزم القرش؟
ناهيك على أن الاستغلال والإذلال يصل ببعض الناس (وقد عاينتهم عن قرب)إلى استغلال خريجي الجامعات والمعاهد العليا في إطار التدريب والتجريب بأثمان بخسة لا ترقى إلى مستواهم التعليمي معللين صرفهم عن العمل راجع إلى عدم تحقق النتائج والتي تبقى مبهمة لا يفهما إلا رب العمل ، والفظيع في الأمر أن هذه العملية تتداولها الشركة طيلة السنة وبالتالي تكون التكلفة الإجمالية لليد العاملة لا تعادل قيمة عامل واحد.والغريب في أمر هؤلاء أنهم حين يتحدثون إلى رجالات القرار والسياسيون، تشعر بأنهم يغارون على البلد وعلى المعطلين ويقدمون الحلول وكأنهم لا يستنزفون قوى الشعب وخيراته.
الم يحن الأوان لإحقاق الحق والوقوف وقفة رجل واحد من اجل المضي بهذا البلد إلى مناص التقدم والازدهار والرقي؟الم يحين الوقت لنفتح أذاننا وأعيننا ونعي الخطابات السامية لصاحب الجلالة والمهابة محمد السادس نصره والى ما يرومه لهذا البلد الحبيب من خير وتقدم ؟الم يحن الوقت لنقطع بين التصرفات الفاشية والسادية اتجاه الأجير الذي بدونه لن ولن يكون لشركة ولا لمعمل وجود؟ الم نسمع نبينا محمد (ص)يدعو إلى إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه؟ فيا أرباب المعامل والشركات اتقوا الله في إجرائكم….