لم يكن أي متتبع للشأن الرياضي يتوقع الهجمة الشرسة التي تقودها الدول الغربية على دولة عربية إسلامية قطر، بدعوى أن هذه الأخيرة لا تحترم حقوق الإنسان، وان قوانينها فيها حيف على الحريات الفردية…. ولكن اي حقوق وحريات يتحدث عنها الغرب ؟
الكل يتفق، على ضرورة احترام حقوق الإنسان من طرف الدول وان الاعتداء عليها خروج عن القوانين والمواثيق الدولية المتعارف، كالحق في الانتماء السياسي، النقابي، الحق في الإضراب، العدالة، المساواة، حرية التعبير والصحافة والإبداع والتفكير والاختلاف الثقافي،احترام الهويات الثقافية ، العرقية ، اللسنية والجغرافية ،وبعبارة أدق احترام الديمقراطية بابعادها، الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والثقافية.
وكما قال عبد الله العروي، فمطلب الحرية هو مطلب يومي ، فالغرب بحكم التخمة الاقتصادية والمالية التي حققها على حساب دول أخرى، برزت لديه مطالب حريات فردية لم تكن مسموح بها قبلا لديه كالمثلية والسحاقية و الدعارة بشتى أشكالها وألوانها والتي مأسسها وادمجها في منظومته الاقتصادية والاجتماعية .
هذا النوع من الحريات، لا تؤمن بالقيم الانسانية والأخلاقية التي تحافظ على تماسك المجتمع،وتهدم الأدوار الطبيعية البيولوجية لكل من المرأة والرجل، وتخرب منظومة القرابة العائلية والأسرية، بحيث تتأسس على “نظرية العود” بالحياة البشرية إلى الحياة البدائية حيث سيادة سلطة الغريزة.
هذا النوع من الحريات الفردية ، يريد الغرب أن يجعلها كونية، ويسعى إلى فرضها على مجتمعات مختلفة عنه حضاريا، تاريخيا ، دينيا وثقافيا. فينسى انه في عدم احترام الاختلاف الثقافي، والحقوق الثقافية للدول الأخرى ، هو خرق سافر لحقوق الإنسان، واعتداء على الهوياث الثقاقية للشعوب .
فأي حرية فردية يتحدث عنها الغرب؟ وهو يمنع المرأة المسلمة من ارتداء الحجاب، ويمارس أنواع من التضييق على أماكن عبادة المسلمين،ويضطهد الرموز الثقافية الإسلامية، كما يطرد المهاجرون الذين لجئوا إليه بحثا عن لقمة عيش كريمة، مطالبين بالاستفادة ولو بشيء بسيط من تلك الثروات التي نهبها من بلدانهم، مذكرين اياه أن الرفاهية التي ينعم بها تحققت على حساب تفقير بلدانهم.
فالغرب الذي يقدم ذاته حاميا لحقوق الإنسان، يمارس كل أنواع الابتزاز على مستعمراته القديمة : يتدخل في شؤونها الداخلية، يصنع النخب الحاكمة الموالية له حفاظا على مواقعه ومصالحه، يستولي على ثرواتها الطبيعية، المعدنية والطاقية، ويساهم في تجويع شعوبها وتفقيرها.
في اعتقادي أن الغرب له مشروع اكتمال هيمنته الاقتصادية والسياسية بالهيمنة الثقافية ، إذ يريد بترسانته الإعلامية وتقنياته التواصلية المتطورة، وسلطته الاقتصادية والتكنولوجية ، نشر قيم الحريات الفردية الحيوانية في الدول الإفريقية والدول العربية الإسلامية، وتدمير انتماءها الحضاري وهويتها الثقافية، بصناعة فكر وسيكولوجية أجيالها اللاحقة بشكل مشوه، لجعلها تابعة له ثقافيا، نفسيا ، قيميا واقتصاديا ، فاقدة لكل غيرة على حضارتها وأوطانها.
فالغرب ليس من مصلحته أن تنهض وتتقدم دول الجنوب ، لان في ذلك تهديدا لرفاهيته.